الياس حرفوش: لجوء سوري وشوفينية لبنانية

19

عادت أزمة اللاجئين السوريين في لبنان تشعل النزاع السياسي بين الأطراف المختلفة، بعدما حاولت تحالفات المصلحة التي أنتجت رئيساً للجمهورية وحكومة ائتلافية وقانوناً للانتخاب، أن تخفي هذا النزاع تحت غطاء المسايرات والمحاصصات وتغطية الخلافات بأوهام الوحدة الوطنية والدفاع عن السيادة.
انفجر الجدل الأخير على خلفية الأحداث الأمنية في بلدة عرسال البقاعية وتعرّض قوة من الجيش هناك لهجمات إرهابية، أعقبتها مداهمات واعتقالات واسعة أدت إلى سقوط قتلى سوريين، قال الجيش أن موتهم سببته “مشكلات صحية تفاعلت نتيجة الأحوال المناخية”. أمر يمكن أن يحدث في أي مكان من أمكنة اللجوء المنتشرة الآن في منطقة الشرق الأوسط كما في دول أوروبية. وحل الاتهامات يكون عادة من طريق تحقيقات شفافة تتم بنتيجتها ملاحقة المذنبين وتبرئة الأبرياء.
غير أن هذه الأحداث كشفت في لبنان عمق الخلاف الذي ما زال قائماً بين طرفي النزاع (8 و14 آذار) والذي سعى الجميع إلى التغطية عليه بحجة الحفاظ على الاستقرار الأمني والرفاه الاقتصادي. لكنها كشفت أيضاً حجم التوافق بين اللبنانيين، على اختلاف أحزابهم وطوائفهم، على موقف عنصري مريض ضد اللاجئين السوريين، يحمل في طياته الشوفينية اللبنانية المعهودة، إذ باتت أكثرية اللبنانيين، ومن مختلف الطوائف، تتفق على تحميل هؤلاء المساكين مسؤولية كل الأزمات التي يواجهها لبنان، اجتماعية كانت أم اقتصادية. هكذا، فمعدلات الجريمة ترتفع في لبنان لأنه يؤوي لاجئين سوريين. والكهرباء تنقطع عن البيوت لأن اللاجئين يستهلكون الكهرباء في الخيام المجهّزة بأحدث وسائل الترفيه والتبريد! وأزمة العمالة اللبنانية مستفحلة، لأن العمال السوريين ينافسون اللبنانيين بالأجور المتدنية التي يتقاضونها.
عنصرية كاملة الأوصاف بكل ما للكلمة من معنى، لا يختلف فيها هذه المرة مسلم عن مسيحي، أو منطقة عن أخرى. عنصرية كشفت وجهها الشوفيني البشع، من غير أن تقف لحظة عند موقف إنساني يطرح سؤالاً على ضميره، عن الدوافع التي ألقت بهؤلاء اللاجئين إلى هذا المصير البائس الذي انتهوا إليه، فيما كانت أصوات الحزبيين والطائفيين الذين يطالبونهم اليوم بالعودة إلى بلادهم، تقف موقف الدفاع عن المجرمين الذين طردوهم أصلاً من بلادهم، بعد أن دمروا بيوتهم وقتلوا ذويهم، وأحرقوا قراهم ومدنهم، وحرموهم من سبل العيش بكرامة في بلدهم.
هناك أزمة لاجئين سوريين في لبنان. هذا صحيح. وصحيح كذلك أن بلداً يملك الإمكانات المتواضعة التي يملكها لبنان، والهشاشة الديموغرافية التي تهدد وقوفه سالماً على رجليه كل يوم، لا بد أن يعاني من هذه الأزمة التي فرضت عليه فجأة أن يستقبل على أراضيه ما يعادل ربع سكانه. وصحيح فوق كل ذلك أن لبنان عانى بما فيه الكفاية من الوصاية السورية عليه، ودفع ثمناً غالياً من استقراره وسيادته ومن دماء عدد من سياسييه وخيرة رجاله… ولكن، هل كان هؤلاء اللاجئون هم المسؤولين عن هذه المصائب، أم إنهم مثل أكثرية اللبنانيين، ضحية نظام القمع والجريمة الذي ارتكب بحق اللبنانيين أقل بكثير مما يرتكبه اليوم ضد شعبه، وهؤلاء اللاجئون القادمون من المدن والقرى التي هُجّر أهلها، من حمص وريفها، ومن القلمون وسواها، هم في طليعة ضحاياه؟
الحلول التي يقترحها من لا يزالون يرفعون راية النظام السوري في لبنان لأزمة اللاجئين تقوم على مطالبة الحكومة اللبنانية بفتح حوار مع نظام دمشق لإعادتهم إلى الأمكنة التي هربوا منها خوفاً من قتلهم. أي بإرسالهم إلى منصة الإعدام بعد أن تحملوا مآسي التشرد واللجوء لينجوا منها.
دعوات أقل ما يقال عنها أنها دعوات انتهازية، تهدف أولاً إلى استغلال الشعور الوطني العام والمؤسف الذي يتسع ضد استقبال اللاجئين، من أجل إرغام فريق رئيس الحكومة سعد الحريري على رمي مواقفه من النظام السوري في سلة المهملات. كما تهدف ثانياً إلى تقديم اللاجئين هدية إلى بشار الأسد ليكمل جرائمه التي تمكن هؤلاء من الهرب منها واللجوء إلى أقرب منطقة أمان كانت متاحة أمامهم.

“الحياة”

مشاركة