المعارضة السورية بعد مؤتمر الرياض وقرار مجلس الأمن (2254)

7

حازم نهار

مقدمة   

شهدت الأعوام الخمسة الماضية محاولات عدة لجمع أطياف المعارضة السورية، ولكنها باءت بالفشل باستثناء المؤتمر الذي عُقد في القاهرة في أوائل تموز /يوليو 2012، وصدرت عنه وثيقتان مهمتان: وثيقة العهد الوطني، ووثيقة المرحلة الانتقالية. ومع ذلك، لم ينجح مؤتمر القاهرة في بناء قيادة موحّدة للمعارضة، ولم تُتابَع مخرجاته، فضلًا عن أنّ ثمة خطًا إستراتيجيًا شابه تمثّل في عدم أخذه في الحسبان إعلان جنيف الذي صدر في 30 حزيران/ يونيو 2012؛ أي قبل انعقاد المؤتمر بأيام قليلة.

ويمثّل مؤتمر الرياض، الذي عُقد يومي 8 و9 كانون الأول/ ديسمبر 2015، آخر محاولة لتوحيد قوى المعارضة السورية وفصائلها. وقد عُقد هذا المؤتمر في سياق مختلف نسبيًا عما سبقه من مؤتمرات ومحاولات، مثل: وجود زخم عالمي يدفع باتجاه حلّ المشكلة السورية يتمثّل بمؤتمر فيينا، ووجود رغبة من جل الدول المعنية، على تناقضاتها، في الخلاص من عبء المشكلة السورية وآثارها وبخاصة قضية اللاجئين، وانتقال أعمال تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” إلى خارج حدود سورية والعراق.

وبناءً عليه، كُلِّفت المملكة العربية السعودية، بجمع المعارضة السورية وتوحيدها على رؤية مشتركة للحل السياسي. وقد ساعد التوافق النسبي السعودي التركي القطري، ولا سيما بعد تسلّم الملك سلمان بن عبد العزيز زمام السلطة في مطلع عام 2015، على مشاركة طيفٍ واسعٍ من القوى السياسية والعسكرية، لأول مرة، مما يسَّر التعاون في ما بينها.

نجاحات وإخفاقات

حقّق مؤتمر الرياض الموسّع للمعارضة السورية ما يمكن عدّه “نجاحات نسبية” لها، فقد استطاع إصدار رؤية مشتركة توافقية عن الانتقال السياسي في سورية، ونجح في تأليف “هيئة عليا للمفاوضات”، يمكن لها أن تؤلف وفد المعارضة المُفاوض، على أن تكون هذه الهيئة مرجعية له. ولا شك أنّ تأليف هذه الهيئة معناه التقليل من دور جميع قوى المعارضة السورية وتأثيرها لمصلحة الهيئة التي ستصبح، بالضرورة، “الجسم السياسي” المعتمد دوليًا، والجهة المخوّلة بكل ما يتعلق بالعملية التفاوضية والمرحلة الانتقالية.

وفضلًا عن ذلك، تميّز مؤتمر الرياض عمّا سبقه بمشاركة السياسيين والعسكريين في مؤتمرٍ واحد لأول مرة. وقد شارك اثنان من أهم فصائل المعارضة السورية الإسلامية المسلّحة، وهما “جيش الإسلام” و”أحرار الشام”، ووافق هذان الفصيلان على مبادئ “مدنية الدولة”، و”الحكم التعددي الذي يُمثّل كافة أطياف الشعب من دون تمييز أو إقصاء على أساس ديني أو طائفي”، وعلى احترام “مبادئ حقوق الإنسان والشفافية والمساءلة والمحاسبة وسيادة القانون”، وهذه كلها تطورات كبيرة قياسًا ببرنامجيْ هذين الفصيلين المعلنين سابقًا.

ومع ذلك، يرى كثيرون في المعارضة السورية أنّ ثمة مؤشرات سلبية في هذا المؤتمر، تكشفها العوامل التي قادت لعقده، وطريقة عقده، والقوى والشخصيات المشاركة فيه. فقد عُقد المؤتمر استجابة لتوافق دولي ظهر في مؤتمر فيينا؛ ما يعني عدم وجود مبادرة سورية جدية لتوحيد جهد المعارضة؛ أي أنّ المعارضة السورية لا تبذل أي جهد في مشكلة تخصها بالدرجة الأولى، وتنتظر الآخرين كي يرسموا لها توجهاتها وخطواتها واجتماعاتها. كما أنّ الدعوات وُجهت من جانب المملكة العربية السعودية، ولم تكن هناك معايير واضحة معتمدة في اختيار القوى والشخصيات.

والأهم من هذا كله، ربما، أنّ المؤتمر أظهر أنه لا توجد إرادة لدى المدعوين لتأليف قيادة سياسية عسكرية موحدة، فاقتصر الأمر على تأليف “الهيئة العليا للمفاوضات”، على الرغم من أنّ الأحوال العامة للثورة السورية والوضع الإنساني الكارثي يستدعيان وجود قيادة متماسكة، يثق السوريون والمجتمع الدولي بها. كما لم يجرِ اعتماد خطة عمل محددة، تكتيكيًا وإستراتيجيًا، سياسيًا وعسكريًا، لمواجهة المرحلة المقبلة، ولا رسم ملامح أولية لخطاب سياسي موجه إلى السوريين والمجتمع الدولي، بدلًا من الفوضى الإعلامية التي سادت طوال الأعوام الخمسة الماضية.

قرار مجلس الأمن (2254)

بعد مؤتمر الرياض بأيام، صدر – بالإجماع – قرار مجلس الأمن رقم (2254)، الذي عدّته نسبة كبيرة من المعارضة السورية دون مستوى الطموح؛ فطوال الخمسة أعوام الماضية لم ينجح المجتمع الدولي في إيجاد حلّ سياسي للكارثة السورية أو فرضه؛ بسبب تصلّب موقف حلفاء النظام السوري، ولا سيما روسيا وإيران، وتراخي موقف مجموعة “دول أصدقاء سورية” التي يبدو أنها سلّمت مفاتيح الحلّ لروسيا التي فرضت وجودها العسكري تحت شعار “الحرب على الإرهاب” ويدفع فاتورتها المدنيون السوريون. وبالتأكيد، ستفتح هذه الحالُ الأبواب لمزيد من العنف والتطرّف وتدمير البنى التحتية. ولذلك، عدّ كثيرون القرارَ ترجمةً للتنازل الغربي لروسيا في قيادة الوضع السوري وتسيير العملية السياسية المزمع إطلاقها.

وعلى الرغم من أنّ القرار وضع خريطة طريق لعملية الانتقال السياسي في سورية، استنادًا إلى بياني جنيف وفيينا، ودعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى عقد مفاوضات بشكل عاجل في كانون الثاني/ يناير 2016 بين ممثلي النظام السوري والمعارضة على مسار الانتقال السياسي، بدت تفاصيلُ القرار كأنها تبنٍّ للرؤية الروسية للحلّ، وتخلٍّ واضح من جانب الدول الغربية، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة، عن المعارضة السورية.

وتضمن نصُّ القرار رؤى معظم الفاعلين في الشأن السوري، الإقليميين والدوليين، ولكن وفق صيغٍ أعطت للرؤية الروسية مركز الثقل، مما أفرغ الصيغ الأخرى من مضمونها. وفي أماكن عدة من النص، كان ثمة “غموض بنّاء”، مقصود بالضرورة، يسمح بقراءته بطرق مختلفة وتفسيرات متباينة، بما يعطي كلًا من روسيا وأميركا فرصة التحايل على النص.

أما “عقدة بشار الأسد” فظلت من دون حل، وهي ربما العقدة الخلافية الكبرى التي عطلت، طوال الفترة الماضية، أيّ إمكانية لحلٍّ سياسيٍّ؛ فلم يأتِ القرار على ذكر دوره ومصيره في أثناء المرحلة الانتقالية وبعدها، ولم يذكر إن كان من حقه الترشّح للانتخابات بعد نهاية المرحلة الانتقالية أم لا. وحتى عندما تطرّق إلى “هيئة الحكم الانتقالي”، نصّ القرارُ على “إنشاء هيئة حكم انتقالي جامعة، تُخوَّل سلطات تنفيذية كاملة”، غير أنه لم يحدِّد الجهة صاحبة الحق في التخوّيل. وترى أطراف عدة داخل المعارضة السورية أنّ هذا السكوت عن تحديد “الجهة صاحبة الحق في التخوّيل” يحتمل تفسيرات عدة، على رأسها بقاء بشار الأسد في موقعه وتنازله عن بعض صلاحياته لمصلحة الهيئة. وهذا يتوافق مع الرأي الإيراني، في تأليف “حكومة وحدة وطنية” في ظل استمرار الأسد.

كما أكّد القرار على وقف إطلاق النار، وكلّف الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم اقتراحات لمراقبة قرار وقف إطلاق النار خلال شهر من تاريخ إصدار القرار من مجلس الأمن. ويُتوقَّع أن يستثني القرار، في حال صدوره، تنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة”، وتنظيمات أخرى لم يتم تحديدها بعد، ما يعني – واقعيًا – أن تطبيق وقف إطلاق النار سيكون من جانب واحد، وأن القرار سيحمي النظام السوري من قصف المعارضة، بينما يعطيه الحق في قصفها، إلى جانب روسيا، ومواصلة عملياته العسكرية تحت مظلة “محاربة الإرهاب”، التي ستطول بالضرورة قوى المعارضة المسلحة في جميع المناطق السورية، ولا سيما أنّ روسيا عملت، منذ بدء حملتها العسكرية في سورية في 30 أيلول/ سبتمبر الماضي على تغيير ميزان القوى لمصلحة النظام، وكانت عملياتها العسكرية ضد تنظيم الدولة “داعش” محدودة جدًا.

وغابت عن القرار آليات إلزام واضحة تتعلق بمراقبة وقف إطلاق النار ومسار العملية التفاوضية، فضلًا عن أنّ إجراءات الثقة المطلوبة جاءت على شكل توصيات غير ملزمة، ومن دون عقوبات تُطبق على المتنصِّل منها، وهي الإجراءات الاستباقية الضرورية لبناء بيئة سوية للتفاوض، تشمل إيقاف قصف المدنيين، والإفراج عن المعتقلين، والسماح بوصول المساعدات الإغاثية، وإيقاف استهداف المراكز الطبية والتعليمية، فضلًا عن أنّ ذريعة قصف التنظيمات الإرهابية تجعل تطبيق البند الذي يطالب بإيقاف العمليات العسكرية ضدّ المدنيين أمرًا مستحيلًا.

وترك القرارُ مسألةَ تحديد القوى والمنظمات الإرهابية في سورية بين يدي المجموعة الدولية التي ستتخذ قراراتها في هذا الشأن بالضرورة وفقًا لحسابات الدول ومصالحها وتوازنات القوى، وليس استنادًا إلى معايير موضوعية واضحة. فبموجب مؤتمر فيينا، تم تكليف الأردن بمهمة جمع أسماء تلك القوى والمنظمات الإرهابية، بالتشاور مع بقية الدول في المجموعة الدولية. وبعد الاعتراض الروسي الإيراني على القائمة التي قدمها الأردن في اجتماع نيويورك المخصص لإصدار القرار (2254)، بسبب إدراجها الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وفيلق القدس في القائمة، لم يأتِ القرار الدولي على ذكر المنظمات الإرهابية، وتم تأليف لجنة رباعية لوضع قائمة جديدة، تضم روسيا وإيران والأردن وفرنسا، ما يعني رجحان الكفة لمصلحة روسيا وإيران في هذا الشأن، فالأردن أقرب في هذا الجانب إلى معسكر موسكو، وفرنسا أصبحت، بعد هجمات باريس في تشرين الثاني/ نوفمبر، أقرب إلى وضع “محاربة الإرهاب” كأولوية سابقة على إزاحة الأسد من السلطة. ومن جانب آخر، ستشكل عملية تصنيف القوى العسكرية في سورية سيفًا مسلطًا على رقابها في حال رفضها للمسار السياسي وفق الرؤية الروسية، كما ستدفع هذه العملية أيضًا العديد من الفصائل، التي ستصنف في خانة الإرهاب وتُستبعد من المشهد السياسي، نحو المزيد من التشدد والتطرف في مواقفها وممارساتها.

وقد ذكر قرارُ مجلس الأمن (2254) مؤتمرَ الرياض ودوره في تأليف وفد مفاوض من المعارضة السورية، غير أنه عاد وذكَّر، كما أرادت موسكو، بضرورة الإحاطة بالاجتماعات التي عقدت في موسكو والقاهرة، وأعطى مهمة تأليف الوفد التفاوضي المعارض للمبعوث الأممي الخاص ستيفان دي مستورا، ما يعني التشكيك في شرعية “الهيئة العليا للمفاوضات” المنبثقة من مؤتمر الرياض، وتهيئتها لقبول شخصيات أخرى ضمن الوفد التفاوضي.

أخيرًا، تجاهل القرارُ مسألة العدالة الانتقالية، التي يكاد يستحيل من دونها تحقيق الانتقال السياسي وبناء حالة مستقرة مجتمعيًا وتعزيز السلم الأهلي والمصالحة الوطنية السورية، ولا سيما مع هذا الركام الهائل من الجرائم والمجازر وانتهاكات حقوق الإنسان، والتي يتحمل مسؤولية القدر الأعظم منها النظام السوري.

وفي الإجمال، يحاول قرارُ مجلس الأمن (2254) تحديد مجالات التفاوض وطبيعته ضمن سقف مؤتمر فيينا، بوصفه المرجعية الجديدة، بدلًا من مرجعية إعلان جنيف، ودفع مسألة الإرهاب إلى الواجهة، لتشارك في الحرب عليه – إلى جانب جيش النظام – القوى والفصائل المعارضة “المقبولة”، وهذا أمر سيساهم بالضرورة في تغيير أطراف الصراع تدريجيًا، ومن ثم، بناء حل سياسي، يقوم على تغييرات شكلية وإعادة تأهيل للنظام، عبر الحفاظ على وظائفه الأمنية والعسكرية، ما يعني تجاوز القضية الأساسية للثورة السورية ومطالبها.

وقد جاء هذا القرار نتاجًا لاجتماع ثلاثة عوامل: الرغبة الدولية في التخلص من عبء المشكلة السورية وإفرازاتها وتأثيراتها في العالم، وسوء أداء قوى المعارضة السورية السياسية والعسكرية طوال السنوات الماضية، وعدم تنظيم الدول الداعمة للشعب السوري جهدها بل تنافر أدوارها في محطات عديدة.

مواجهة الأخطار والتحديات

هناك تحديات ومخاطر عديدة أمام “الهيئة العليا للمفاوضات” في المستقبل القريب، لعل أهمها احتمال انهيارها في حال كان طريق التفاوض مع النظام السوري وفقًا لمؤتمر فيينا وقرار مجلس الأمن (2254) مسدودًا، وهو الاحتمال الأرجح؛ فقد تكون العملية التفاوضية بالصيغة المطروحة مجرد محطة غايتها إشغال السوريين عدة أشهر، ريثما يجري تغيير التوازنات على الأرض. وكذلك، ثمة احتمال أن تمارس روسيا ضغوطًا جدية لتغيير طبيعة الهيئة وخطها السياسي، وربما تمزيقها، وذلك عن طريق ضغط يمارسه النظام السوري وإيران على بعض شخصياتها وقواها، فضلًا عن العامل الذاتي المساعد على التمزق، والذي يتمثل في أنّ بنية الهيئة هشّة أصلًا، بحكم تأليفها عن طريق المحاصصة بين قوى سياسية وعسكرية متنوعة.

وحاليًا، من المهم أن تهتم الهيئة بأداء دور أقرب ما يكون إلى قيادة سياسية عسكرية موحدة، تستجيب للتحديات والمخاطر الحالية، بقدر ما يتيحه التوافق بين ممثلي القوى المنضوية تحتها. ومن المهم أن تهتم الهيئة بوضع خطة عمل واضحة، تضع في مقدمة اهتماماتها وضع خطة تنفيذية تفصيلية للانتقال السياسي في سورية.

كما يبدو من المهم أن تسعى الهيئة لإنشاء مكتبٍ للعلاقات الخارجية، يحصر التواصل مع ممثلي الدول به، بدلًا من التشتت الذي سيطر على عمل المعارضة في هذا المجال، وإنشاء مكتب إعلامي مهني يقدم خطابًا سياسيًا وطنيًا، إلى جانب توحيد العمل العسكري وبناء إستراتيجية عسكرية لمواجهة التغيّر في موازين القوى على الأرض، وإعداد مدونة سلوك مبنية على الوطنية السورية، تلتزمها القوى العسكرية. ويحتاج هذا كله إلى لائحة تنظيمية داخلية، تنظم المسؤوليات والأدوار في داخل الهيئة، وتنظم تعاملها مع الإعلام والدول وممثلي الأمم المتحدة، وترصد المخالفات التنظيمية في هذا الإطار، وتتعاطي معها بمسؤولية وبصورة صارمة في آنٍ معًا.

وعلى مستوى إدارة الخطاب السياسي الإعلامي للهيئة حول مسألة التفاوض، تبدو الهيئة بحاجة إلى التعاطي مع إيجابيات قرار مجلس الأمن (2254)، والتأكيد عليها انطلاقًا من مصالح الشعب السوري والثورة السورية؛ ما يعني تصدير خطاب سياسي يلتزم الحل السياسي ولا يعلن الانسحاب من العملية التفاوضية، ويركز على بيان جنيف، الذي ورد ذكره في ديباجة القرار (2254)، فضلًا عن بيان مؤتمر الرياض وتقاطعاته مع ما ورد في قرار مجلس الأمن، ويؤكد على عدم جدية النظام وداعميه في التزام إجراءات الثقة الوارد ذكرها في قرار مجلس الأمن.

ومن ثمّ، تعلن الهيئة عدم مشاركتها في العملية السياسية من دون قيام النظام بتحقيق إجراءات محددة مثل: إيقاف قصف المدنيين، والإفراج عن المعتقلين، وفك الحصار عن المناطق المحاصرة، وإيصال المساعدات الإغاثية.

كما يمكن للهيئة إنتاج قائمتها الخاصة للمنظمات والقوى الإرهابية أو الراعية للإرهاب، وإعلانها كوسيلة من وسائل الضغط.

وبالتزامن مع ما سبق، يمكن للهيئة تأليف لجان حقوقية للتواصل مع منظمات حقوق الإنسان، العربية والدولية، وذلك لفتح ملف المحاسبة على الجرائم ضد الإنسانية وممارسة الضغط لتحويل مرتكبي هذه الجرائم إلى محكمة الجنايات الدولية.

أما بالنسبة إلى العمل المباشر للهيئة فهو – بكل تأكيد – تأليف الوفد التفاوضي المعارض. وهناك احتمال كبير بـ “تفخيخ” هذا الوفد بشخصيات أو قوى شاركت في مؤتمر الرياض ولها ممثلون في الهيئة، ولكنها يمكن أن تتراجع عن الحد الأدنى للتوافق، كما ورد في بيان الرياض. كما يمكن أن يحدث ذلك أيضًا بإضافة شخصيات للوفد من خارج مؤتمر الرياض، محسوبة على روسيا أو إيران أو مصر. وثمة إشارات بأنّ روسيا ستسعى في الفترة المقبلة لفرض بعض الأسماء ضمن الوفد التفاوضي للمعارضة، وهي من الأسماء التي شاركت في مؤتمرات القاهرة وموسكو، على الرغم من أنّ عددًا كبيرًا من أعضاء هذه المؤتمرات كانوا مشاركين في مؤتمر الرياض الموسع. ولكن، يبدو أنّ موسكو تبحث عن أسماء بعينها أقرب إلى رؤية موسكو للحل السياسي؛ ما يعني في المحصلة تأليف وفدٍ تفاوضي ممزق، مقابل وفد النظام المتماسك بحكم طبيعته الشمولية ودعم حلفائه.

ومن المهم التأكيد على ضرورة تأليف وفدٍ خبيرٍ ومتخصصٍ خارج إطار المحاصصات السياسية والتجاذبات الإقليمية، على أن تحتفظ الهيئة بقدرتها على تغيير أي عضو في الوفد يخرج عن الإطار العام لبيان مؤتمر الرياض، بوصفه مرجعية الوفد طوال مسار العملية التفاوضية. ومن المهم، أيضًا، عدم السماح للمبعوث الأممي بالتدخل في تأليف وفد المعارضة التفاوضي، وحصر التواصل معه عبر قناة واحدة في الهيئة، ورفض أي أسماء تقترح روسيا ضمها إلى الوفد، أو في الحد الأدنى، القبول بها بعد أن تعلن التزامها مرجعية مؤتمر الرياض وقرارات “الهيئة العليا للتفاوض”. وتكمن الخطورة في أنّ مرجعية الوفد المفاوض، الذي ستؤلفه “الهيئة العليا للمفاوضات”، هي الهيئة نفسها ومؤتمر الرياض نفسه، ولكن، في حال شاركت الأسماء المطلوبة روسيًا في الوفد المفاوض، فما مرجعية الوفد حينذاك؟

وستواجه الهيئة، أيضًا، احتمال تصنيف قوى عسكرية معارضة في خانة الإرهاب، إلى جانب تنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة” بالطبع، سواء من القوى التي شاركت في مؤتمر الرياض أو غيرها. وقد يؤدي هذا إلى تمزيق تحالفات عسكرية قائمة على الأرض، واحتمال نشوب معارك بين فصائل المعارضة ذاتها. وسيضاف هذا العامل، الذي يهدد التحالفات العسكرية المعارضة القائمة على الأرض، إلى العاملين اللذين ذكرتهما سابقًا: ما تطرحه مسألة وقف إطلاق النار بالطريقة المعروضة في القرار (2254) من مخاطر وضع الفصائل العسكرية في موضع المتلقي للقصف وغير القادر على الرد في الوقت نفسه، واحتمال اشتداد القصف الروسي لمناطق المعارضة – ولا سيما مع عدم وجود إرادة دولية أو عربية ضدّ الروس – كشكل من أشكال الضغط عليها للاندراج في حل سياسي وفق الرؤية الروسية.

وفي الحصيلة، وفي سياق مواجهة التحديات والمخاطر المقبلة، وهي عديدة وعلى المستويات كافة، ينبغي على قوى المعارضة السورية الانتباه إلى نقطة مركزية، وهي أنّ هناك حاجةً عالمية إلى دور سوري، مهما بلغت شدّة التدخلات الخارجية والإقليمية، المعوقة والسلبية؛ فمن دون هذا الدور، لا يوجد حل دائم، ولا يمكن تغطية هذا الحل برعاية الدول. وهذا يعني عدم التفريط بأساسيات الحل المقبول.

إنّ الحلول التي تبنى على أساس التوازنات الإقليمية والدولية هي، بالضرورة، حلول موقّتة، لا تحقق الاستقرار. ويفترض بالمعارضة السورية العمل جديًا على خلق دينامية سورية داخلية للحل، بعد أن اعتمدت، طوال خمس سنوات، على ما تقدمه الدول من تصورات ومبادرات.

مشاركة