المأزق الوطني لاسلاميي سورية

68

عمر قدور

مفاجأة كبرى سجلها إسلاميو سوريا بدفاعهم المستميت عن أردوغان، تحديداً منذ انعطافة الأخير الخارجية واشتراكه في مسار آستانة ثم قبوله بمؤتمر سوتشي، وما نجم عن ذلك المسار من اتفاقيات كاذبة لإنشاء مناطق خفض تصعيد، ثم الانقضاض عليها واحدة تلو الأخرى وصولاً إلى ما نشهده من حرب على المنطقة الوحيدة المتبقية وهي إدلب. وأخيراً لم يقصّروا حتى في الدفاع عن ترحيل تركيا لاجئين سوريين، مستخدمين ذرائع مختلفة والأهم استخدامهم كلمة “ضيوف” بدل “لاجئين”، وهم بذلك ينزعون عنهم الصفة القانونية التي ترتب على البلد المضيف حمايتهم وفق القوانين الدولية الإنسانية.

الإسلاميون أنفسهم كانوا سيتخذون موقفاً مغايراً لو أتت سلسلة التغيرات تلك من أي حكم آخر، والأمر لا يتعلق بمواقف إعلامية فقط، فهم بسيطرتهم على مؤسسات معارضة جعلوا منها أسيرة التوجهات التركية، وجعلوا من الائتلاف الوطني وحكومته المؤقتة تابعاً ينفذ السياسة التركية بحذافيرها. في العديد من المحطات، مثل استهداف المناطق المشمولة بتفاهمات الضامن التركي مع روسيا ومثل ترحيل لاجئين من تركيا، كان في وسعهم تجنب الإحراج بالتزام الصمت، إلا أن الإسلاميين بعمومهم فضّلوا التصرف كرأس حربة للسياسة التركية، ولو أتت على حساب ما يُفترض أنه وطنهم الأم. الطريف أن آخر الذرائع التي تُساق من قبل البعض منهم القولُ بعدم جواز العتب على أردوغان لأنه يخدم مصالح بلاده، فيشيرون بأنفسهم “بدفاعهم هذا” إلى من هو وطني ومن هو غير وطني بالمقارنة بينهم وبينه!

يُستحسن أن يؤخذ نزع الوطنية عن الإسلاميين السوريين بما يليق به، أي بشيء من التفكير، فالمسألة لا تخص مجموعة من المرتزقة، ولا تخص الإسلاميين حصراً حيث يمكن وصم غيرهم بالتبعية المطلقة للخارج. ما يميز إسلاميي سوريا على هذا الصعيد أن تبعيتهم نابعة من دوافع أيديولوجية، لا بدافع السياسة بمعناها المتقلب والمصلحي، وفوق العامل الأيديولوجي القديم تراكمَ مسار من الإخفاقات والتراجع الذاتيين ليجعل من الالتحاق بالخارج خياراً أشبه بالحتمي.

كما نعلم كان تنظيم الإخوان هو الأكثر عراقة وحضوراً في سوريا بعد الاستقلال، مثلاً لم يكن هناك حضور ملحوظ لحزب التحرير الإسلامي، وعندما أعلن عن إنشاء تنظيم القاعدة كان إسلاميو سوريا قد تلقوا ضربة قاصمة قبل سنوات، ومن المرجح أن التنظيم الجديد لم يكتسب مجاهدين سوريين في التسعينات إلا من بين الإخوانيين الذين تمكنوا من الخروج ونجوا من بطش الأسد، قبل أن يكتسب عدداً من الداخل بعد الغزو الأمريكي للعراق بتسهيل من مخابرات الأسد. نعلم أيضاً أن لتنظيم الإخوان “الأصل” في مصر التأثير الأكبر في الخارطة الإسلامية الإقليمية، وهو بمثابة الأب الروحي للتنظيمات الجهادية التي انفصلت عنه، ومن الطبيعي أن ينظر إليه إخوان سوريا بوصفه التنظيم والمرجع الأم.

يمكننا ملاحظة بعض التباين بين إخوان سوريا وإخوان مصر خلال سنوات قليلة من الخمسينات، فانقلاب عبدالناصر أتى بحكم عسكري بينما كانت سوريا تعيش مرحلة قلقة من الديموقراطية، لكنها كافية لينشط الإخوان علنياً وتُمتحن شعبيتهم بانتخابات حقيقية. سيأتي انقلاب البعث في سوريا بعد عشر سنوات وعدة أشهر من انقلاب عبدالناصر، وبعد سنة من انقلاب البعث سيبرز اسم الإخواني مروان حديد العائد لتوه من مصر، حيث نشط هناك في صفوف الإخوان المناهضين لعبدالناصر والتقى بسيد قطب وتأثر به، وحينها في عام 1964 حدثت أول مواجهة عنيفة بينهم وبين البعث فيما يعرف بأحداث حماة الأولى.

أن تكون مصر مهد الفكر الإسلامي وسوريا مهد الفكر القومي فهذا شأن يستحق التوقف عنده منفرداً، ما يجدر ذكره أن إخوان سوريا منذ عام 1966، أي منذ انقلاب صلاح جديد ومجموعته على رفاقه البعثيين، صار لهم حجة خاصة متميزة تقوم على المسألة الطائفية في سوريا، لتتعزز بعد انقلاب حافظ الأسد ويتسلم الرئاسة رسمياً رئيس غير سني. منذ ذلك الوقت صار للإخوان خطاب تعبوي محلي يأخذ زخمه من المسألة الطائفية، مع المحافظة على الخطاب الأصلي الذي يرى مسلمي سوريا جزءاً من الأمة الإسلامية ككل. 

هذه الوضعية مشابهة جداً لحكم البعث نفسه الذي كانت أيديولوجيته تقوم على نزوع إمبريالي، بينما كان يعمل محلياً على كل ما يضرب الدولة القومية لصالح العصبويات الضيقة، وعلى رأسها الطائفية. بل يمكن القول أن المرحلة تلك بمجملها زخرت بتيارات عابرة للحدود، فاليسار السوري كله كان تابعاً بدوره للإمبريالية السوفيتية، تنظيمياً أو أيديولوجياً، ولم تكن المسألة الوطنية مطروحة لدى الجميع، وبالطبع لم تكن مطروحة لدى التنظيمات الكردية الواقعة لعقود تحت تأثير البارازانية قبل دخول حزب العمال القوي من تركيا بقيادة أوجلان في منتصف الثمانينات. كان الفكر البعثي قد توقف أصلاً منذ وضع منطلقاته النظرية في الستينات، وبينما كان الفكر الإسلامي يتقدم في المنطقة وفي شرق آسيا لم نشهد مساهمات نظرية ذات تأثير من إسلاميي سوريا، ولم ينجب تنظيم الإخوان رجالات على مستوى السباعي المؤسس أو عصام العطار مثلاً. 

في التسعينات، إثر انهيار المنظومة السوفيتية، بدأ بعض الذين تخلوا عن يساريتهم بالتفكير في المسألة الوطنية، أي على أرضية فشل كافة الأيديولوجيات الإمبريالية. في عام 2001 بدا الإخوان بقيادة البيانوني كأنهم يخطون خطوة في الاتجاه نفسه مع إصدارهم “ميثاق الشرف الوطني” في أيار من ذلك العام، وقد لاقى ترحيباً من بعض قوى المعارضة في الداخل. الميثاق لا يتخلى عما هو مألوف في الخطاب الإخواني لجهة الأمة الإسلامية لكنه يلامس للمرة الأولى المسألة الوطنية على نحو خاص، وعلى نحو يعد بالتطور نحو انفتاح أوسع. مع تأسيس “إعلان دمشق” برزت لأول مرة إمكانية التحالف بين الإسلاميين وطيف من الديموقراطيين العلمانيين، لكن الإخوان سرعان ما تخلوا عن الفكرة لصالح التحالف مع عبدالحليم خدام الذي انشق عن الأسد إثر اغتيال الرئيس الحريري، ثم عرضوا المصالحة على بشار الأسد “برعاية أردوغان” بذريعة حدث خارجي وتحت شعار التصدي للعدوان الإسرائيلي عام 2008 على غزة.

في آذار 2012 أصدر الإخوان ما عرف باسم وثيقة “عهد وميثاق”، وهي وثيقة إبراز حسن نوايا تخص قضية التغيير في سوريا بعد سنة من اندلاع الثورة. لكن بدءاً من نهاية هذا العام ستكون الساحة السورية قد اكتظت بتنظيمات وفصائل إسلامية متنوعة، وستصبح سوريا ساحة للصراع الشيعي-السني في المنطقة، وسيظهر ثقل كبير لتنظيمات الجهاد العالمي مثل القاعدة وداعش، وسيتوارى تدريجياً الأساس الوطني للصراع. وسط ذاك الازدحام لم يتخلَّ الإخوان رسمياً عن وثائقهم السابقة، لكنهم دعموا عملياً كل الدعاوى الإسلامية التي تناقض تحولهم الوطني المأمول. 

كانت المنطقة بمجملها شهدت تحولات كبيرة، ففي تونس قطعت حركة النهضة بعد انتصار الثورة الشعرة التي تربطها بالإخوان ثم خسرت الحركة الانتخابات لكنها بقيت مشاركة في اللعبة الديموقراطية، بينما في مصر لم يهنأ الإخوان طويلاً بحكمهم الذي أودى به انقلاب السيسي. في الواقع لم يبقَ من نموذج إسلامي يبدو ناجحاً سوى النموذج الأردوغاني، فصار قبلة إسلاميي سوريا، بل صار لدى نسبة معتبرة منهم الأمل باستعادة المجد الإسلامي السني، من دون التفكر في تجربة حزب العدالة والمسار الخاص الذي رافق إسلاميي تركيا منذ بداية صعود أربكان وصولاً إلى أردوغان. 

ما يمكن قوله أن المسألة الوطنية عادت إلى التواري لدى إخوان سوريا، مع وجود قيادات لا تملك قدرة على تطوير خطابات وتوجهات جديدة مستقلة، والمسألة الوطنية أصلاً غائبة لدى تنظيمات جهادية تتبنى طروحات عابرة للحدود. ذلك لا يشبه وضع إخوان مصر حتى في محنتهم الحالية، فالتنظيم الأم له ثقل اجتماعي لا يجعل منه فقط لاعباً ضمن الساحة رغم القمع الشديد، وإنما يُبقي على مصريته بحيث يكون النزوع الإمبريالي فائضاً عنها لا على حسابها. المأزق الوطني لإسلاميي سوريا سيبقى قائماً بحكم الأيديولوجيا، أي أن التخلص منه يتطلب مراجعة جذرية تعطي الأولوية لما هو سوري على ما هو إسلامي “فوق سوري”، وهذا إذا كان ممكناً فهو يتطلب جرأة فكرية لا يملكها إسلاميو اليوم رغم انبهارهم بنموذجهم التركي الذي امتلكها يوماً

مشاركة