“الغرانيق” للروائي السوري مازن عرفة: أسلوب فريد يسرد وحشية العسكر ومعادلة الانتفاضة

28

المثنى الشيخ عطية

يبدو أن الفكرة الرئيسية الصلبة المتمحورة حول “الديكتاتور داخل شخصية الرجل، السوري بخاصة”، والتي وضعها الروائي السوري مازن عرفة لروايته “الغرانيق”، لم تمنع الرواية، هذه الرواية، من أن تنداح نصّاً متفلتاً من قيد التخطيط كما نهر يجري ويحفر سريره ومساربه الخاصة بطبيعته ومزاجه خلال العمل. ولم تستطع البنية المتماسكة، كما يشير بُعد الجنون في إبداع نص الرواية، أن تظل على رسمها المخطط له كوعاء يحتضن الشخصيات والأحداث ويقودها إلى مصبها الآمن في محيط النهاية. فتلك رواية مجنونة بحق؛ واقعية، كافكاوية، سيريالية، سحرية، كوميدية، تراجيدية، حلمية، كابوسية، متفلتة عن عهد الرواية الكلاسيكي المعتاد وعهد حداثتها غير المعتاد. هذا إضافة إلى بعثها في قارئها جنونَ مواجهة حقيقة ذاته بكل الأبعاد، مثلما فعلت براويها الذي أدخلته كهوف استيهاماته وتقمصاته لشخصيات بلاده ولغرانيقه العلى، كأصنامٍ تتغذى على الخوف، وتنمو، وتتغول إلى درجة ضرورة تكسيرها. هكذا صرح الكاتب نفسه عن “أشباه الآلهة الغرانيق” ولكن أيضاً بما يتجاوز ضرب المثل عن الأصنام داخل الشخصية إلى اختلاط الإله الواحد الذكر بالإلاهات المتعددة، وإن لم يورد الكاتب أي إشارة في الرواية عن اللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى، ولم يضع شفاعةً ترُجى لهنّغير تمثال “الإلهة الحجرية” الأمّالتي تمثل سوريا الحب والسلام في الرواية، وتصنع للشخصية السورية معادلها الوطني.

من أجل بلورة فكرته يضع مازن عرفة بنية ظاهرة بسيطة، واضحة، تَشي بالتتابع الزمني وإن تداخل فيه زمن الحاضر بزمن الطفولة والمراهقة، وتداخلت فيه الأحداث، كما تشي بوضوحِ تكوّنِ جوانب الموضوع منذ البداية حتى الوصول إلى الخاتمة، وذلك عبر أربعة أقسام:

القسم الأول: كآبة، ويعرض فيه خمسة عناوين هي (البلدة ــ أنا مواطن نموذجي ــ أنا وزوجتي ــ أنا وزوجتي والجنرال ــ أنا والموتى الأحياء ــ أنا والصورة).

القسم الثاني: ساديّة، ويعرض فيه عنوانين هما: (سادية سياسية ــ سادية جنسية).

القسم الثالث: انتفاضة، ويعرض فيه أربعة عناوين هي: (المنتفضون ــ أنا الزعيم الجنرال أحيي وأميت ــ أبو عصام ــ أهالي البلدة).

القسم الرابع: جنون، ويعرض فيه أربعة عناوين هي: (المجزرة ــ إنهم قادمون، الاجتياح ــ الإمارة الإسلامية ــ خاتمة).

ويمكن لقارئ النص ودارسه تلمّس عدم وجود مسطرة وقلم خطّطا بنية الرواية والتزما بتسيير الشخصيات والأحداث في طرقها، حيث يشير النص المنداح عبر فداحة الأحداث التي خاضها إلى غير ذلك.

في غرف ومنعرجات هذه البنية يدخل مازن عرفة كراوٍ وبطلٍ، لا يتم عرض اسم له فيها، ويأخذ، قبل أن يتبلور ككاتب، شخصية مواطنٍ نموذج عن مواطني بلده، يعمل موظفاً في دائرة السجل المدني، ويعيش في بلدة هادئة تسير فيها الحياة برتابة، تحت هيمنة حكم عسكري يمجد الزعيمَ الجنرال ويطوع الكائنات والأشياء لتكون على صورته من جهة، وتكون مجرد بقايا كائنات وأشياء تمجد هذه الصورة في الوقت ذاته. مع هذه الرتابة المعروضة بكوميدية تكسرها، في وصف البلدة وحياة مواطنها النموذج، تتكشف البنية العميقة للرواية بالتغيرات التي يلاحظها هذا المواطن على نفسه، وتصيبه بالذعر عندما يكتشف أنه يتماهى مع الجنرال في أحلامه وكوابيسه، وأن ثمة جنرالاً تكوّن دون أن يشعر في داخله، وأن جسده لم يعد يستطيع حبس هذا الكائن من الخروج.

مع هذا التطور الذي سار بكوميدية، يبدأ تشكل بطل هذه البنية العميقة: السردُ، المؤسس على أحلام اليقظة، والمتوغل عميقاً في إخراج عجز وتمزق الشخصية بأبعاد عرض الأحلام والسلوك اللاإرادي، بانسيابٍ فريد يعكس عنوان الرواية بدون ذكر معانيه فيها، ويجسّد بانفلات فانتازية الواقع بصورة مخيفة. ذلك يبدأ من تصوير تكوّن وتغيرات شخصيات الأجيال السورية بعد الاستقلال عن فرنسا، وفي مراحل ديمقراطية الخمسينيات وانقلاباتها العسكرية، التي انتهت في الستينيات وأوائل السبعينيات بسيطرة الديكتاتور “المستذئب” الأوحد (حافظ الأسد) الذي خدع الجميع للاستيلاء على الحكم: “وفجأة يعلن ذو الوجه القاسي والرأس المفلطح البيان رقم 16: “أيتها الجماهير العظيمة الصبورة، أحيي جميع فئاتكم المناضلة التي تسير على إيقاع “واحد، اثنان” لكن في الواقع لا يمكن للجسد أن تكون لديه رؤوس عدة، وكذلك النظام، بل رأس واحد قائد. هذه هي طبيعة الحياة التي أثبتتها مسيرة التاريخ، فكما أن الإله واحد في السماء، فالحاكم على الأرض واحد أيضاً، ما دام يمثل السلطة المطلقة المقدسة، فهل ترضون بتعدد الآلهة في السماء؟” ثم يُخرج المسدس ويطلق النار على رفاق الدرب الذين ملأت الدهشة وجوهم”

ومن وقتها عرف الناس الرجل المستذئب في البلدة ـ الوطن، استوى على العرش بعد أن قضى على الذئاب الصغيرة، واستولى على القطيع كله، وصاحت الأغنام وراءه “ماع، ماع، عاش الزعيم الجنرال”.

هذا مروراً بوراثة ابنه (وإن لم يتم عرض عقدة الابن في علاقته بالأب) ووصول نهب ثروات البلاد ومسخ بشرها إلى درجة انفجار الناس بالثورة السورية التي يسميها الكاتب انتفاضة. وصولاً إلى تلمّس الشخصية السورية وعيَ ما يجري عليها من تغيرات، حتى خاتمة عرض الراوي لوعي الشخصية المسخ، والممثَّلة داخله باثنين هما الثوري الإيديولوجي والإسلامي الجهادي: “شواش عظيم يضرب الرأس حتى الهذيان، حكاك يأكل الظهر حتى الجنون، أنا المثقف “قائد انتفاضة” أنا الشاب الجهاديّ “باسم السماء” أنا “الزعيم الجنرال”. وحتى تصاعُدِ اكتشافه وقراره: “أنا صداكما أيها الاثنان المهووسان بالعنف، بل أنا صداكما أيها الاثنان المجنونان بالسلطة. لكن “الانتفاضة” جعلتك تطلق نار مسدسك على رأسك في كوابيسك المتتالية سواء في الصحو أو المنام. أنا أطلق الرصاص على رأسيكما معي”.

ولا يمر هذا من دون إيراد الراوي لشخصية آلاء التي تولّد فيه التوازن، بأخذها دور الصبية الضحية الخارجة من مقبرة الأحياء الأموات الذين جزرهم الديكتاتور وحاول بدون جدوى دثرهم في مقابره الجماعية، وبحلولها أيضاً كابنة لمواطن ثوري سجين، وكشابة تشارك شباب الثورة في التهيئة لاستمرار المظاهرات السلمية وعلاج جرحاها، وتحوّلها كمعادل للوطنية السورية بتماثلها مع الربة الحجرية (عشتار) أمّ السوريين التي تجمعهم كأبناء عراة في حضنها الأمومي من طوائفهم وأيديولوجياتهم: “أستمع بدهشة وذهول لما تقوله لي آلاء، ونحن جالسان مساء في الحديقة بجانب البيت الطيني، قرب تمثال الإلهة الحجرية، تتحدث وقد اكتسى وجهها جدية غير متوقّعة، لا تتناسب مع نظراتها الطفولية التي تنبعث من ألق ربيعها الثامن عشر، يختلط وجها الإلهة وآلاء. لم أعد أدري مَن يحدثني منهما ومن هو عاتب عليَّ. لا تتوقف آلاء الإلهة عن الحديث، تستمرّ كساقية منحدرة تندفع دفقاتُ جريانها بصخب: “يتغير محياكَ، تتبدل تصرفاتكَ بحيث لا أكاد أعرفكَ، كأنني أراك رجلاً آخر ينتمي إلى عالم بعيد، ضبابي، يغرق في التيه والغموض… لماذا لا تحل قضاياك الصعبة عندك إلا بالعنف والدم؟”.

ويتألق بطل البنية العميقة/السردُ، بصورة مذهلة تتجاوز الاقتصار على إمتاع القارئ بعبور الراوي من شخصية إلى شخصية يكونُها في انفصاماته، إلى تأثير هذا السرد في القارئ، الذي كونت شخصيته طبيعة العلاقات الاجتماعية، وما تزودت به تلك الشخصية النامية من ثقافة تدخل فيها مؤثرات التراث والكتب والسينما، مثل الأمثال الشعبية، وأبطال الكاوبوي واليانكي في حصدهم للهنود الحمر، وثقافات تأليه الشخصيات الثورية المختلطة بالشخصيات الاستبدادية التي يتداخل فيها لينين بماوتسي تونغ وستالين وفرانكو. كل هذا مع ما قدمته وتقدمه تكنولوجيا صناعة أفلام البورنو التي تتخللها ساديّة الجنس في المشاهدة والتخيل، متداخلة مع ساديّة السياسة في عيش الواقع، وتأثير هذا السرد في القارئ الذي سيجد نفسه متورطاً في هذه التغيرات، كما سيجد نفسه على صراط رفيعٍ في التغير المتعارض يتطلب منه العبور. يخوض السرد مغامرةً محفوفة بالمخاطر على صراط نجاح الرواية، وهو ما فعلتْه في ظني، بكشف ما يستطيع الجنس إحداثه من تغيرات على الشخصية تقيها من الوقوع كما يفعل التحليل النفسي، أو دمغ الرواية بالإيروتيكية التي تُسقط شخصياتها في السطحية واختلال التأثير وتحولها إلى عكس ما يراد له.

في تماثلات الخيال مع الواقع فيها، ترقى رواية “الغرانيق” إلى أن تكون رواية تتجاوز محلّيتها إلى الفضاء الإنساني، حيث يتم مسخ صورة وطبيعة الإنسان إلى وحش يرتكب الفظائع بحق جاره وأخيه وحتى بحق ابنه. ولكن يمكن للقارئ بسهولة ــ من خلال حياة البلدة التي يعرضها الراوي، وتضاريسها، وتكوين بنيتها السكانية، وعاداتها، وطبيعة طعامها، وأحداث ثورتها، وسلوك الطوائف والشبيحة فيها ــ اكتشاف أنها بلدةٌ سوريةٌ نموذجٌ عن بقية القرى والمدن السورية التي اشتعل رقص المظاهرات في ساحاتها، أعراساً تنقلب إلى جنازاتٍ، وساحاتٍ لتقطيع عصابات النظام السوري أجسادَ أهلها، علانية أمام العالم بكل صنوف أسلحة القتل والجزر والدمار. ويمكن أيضاً اكتشاف أن البلدة هي قطنا، من خلال عرض بعض أحداثها وشخصياتها الواقعية، مثل حدث خروج عضو قيادي في حزب الشعب الديمقراطي السوري” هو جورج صبرا الذي يورد الكاتب اسمه الأول صريحاً، كمسيحي على رأس المظاهرات التي كانت تنطلق من المساجد، وتمثيل هذه الشخصية بتفصيل لمقاومة محاولات النظام ضرب التآلف الإسلامي ــ المسيحي الذي اعتادت عليه البلدة.

في كشف أسرارها التي لا تقتصر على العنوان والأسماء، والخيال والواقع، وتتجاوز ذلك إلى التحليل النفسي للشخصيات، تستحق هذه الرواية الاهتمام العميق، فهي مشغولة بدقة رغم انفلات أسلوبها بدفق مرعب، وشاعرية أخاذة.

مازن عرفة: “الغرانيق”

نوفل، هاشيت أنطوان، بيروت 2017

356 صفحة.

مشاركة