العلاقات الإيرانية التركية.. كبر الخرق على الراقع

28

محمود عثمان – خاص ترك برس

رغم الاستفزازات الكثيرة لتركيا من طرف الإيرانيين، وخصوصًا بعد انطلاق الثورة السورية، إلا أن الدبلوماسية التركية انتهجت أسلوبًا ايجابيا متغاضيا عن تلك التجاوزات، مكتفيًا ببعض الاحتجاجات خفيفة اللهجة. حتى عندما تطاولت الصحافة الرسمية الإيرانية على تركيا، وتعدت حدود اللباقة في تهجمها على شخص الرئيس أردوغان، ونشرت أخبار كاذبة عن تركيا، اكتفت تركيا في كل مرة باحتجاج دبلوماسي منخفض الوتيرة.

مقابل ذلك عمدت إيران إلى اتخاذ خطوات عديدة يمكن وصفها بشديدة العدائية ضد تركيا، ازدادت بالتوازي مع ارتفاع وتيرة الصراع على الساحة السورية. فقد أسهمت إيران في إعادة هيكلة حزب العمال الكردستاني، بدعم جناح الصقور الذي يتزعمه “جميل بايق” المقرب منها مذهبيا. حيث قام الأخير بقلب طاولة مفاوضات بين الحكومة التركية وممثلي الحزب، مما تسبب في تقويض عملية المصالحة الوطنية (بين الدولة التركية والأكراد) التي أعلن عنها أردوغان، وقطعت أشواطًا كبيرة. عوضا عن السعي نحو السلم والمصالحة استغلت قيادة حزب العمال الكردستاني الجديدة الوضع في سورية والفراغ الأمني في العراق، من أجل تأسيس مناطق حكم ذاتي في جنوب شرق تركيا، على غرار ما فعلته في شمال سورية. لكن قوات الأمن التركية تصدت لهذه المخططات بقوة وحزم.

حرص تركيا على عدم الاصطدام مع إيران في سورية، كلفها خسائر كبيرة على المستوى الاستراتيجي. فقد منعتها تلك الحسابات الدقيقة من تأسيس قوة سورية موالية ظهيرة تحمي أمنها القومي في شمال سورية.

إن كثيرا من السوريين يحملون عتبا شديدا على تركيا، هم محقين فيه، بعدم القيام بتنظيم المعارضة ضمن جسم واحد، لا يحمل سوى أجندة وطنية سورية، وهذا أمر لا يكلف تركيا مالا ولا سلاحًا. كما أنه لا يضعها في مواجهة مع الأمريكان أو غيرهم.

انفتاح تركيا على روسيا، ومحاولة أردوغان التخفيف من عدوانية بوتين، أزعج الأمريكان والإيرانيين معًا. والاتفاق الأول بين تركيا وروسيا كان يقضي بخروج مقاتلي النصرة/ فتح الشام من حلب، مقابل بقاء الجيش الحر واستمرار مجلس حلب الحرة، وهذا يعني دوام سيطرة المعارضة على حلب. لكن فشل تركيا في إقناع الفصائل من جهة، وتخريب الأمريكان لهذا الاتفاق الذي استثناهم، حيث عمدوا إلى دعوة الروس إلى مشاورات في جنيف، لم ينتج عنها شيء، لأن الأمريكان لم يكونوا بصدد التوصل إلى نتيجة ملموسة. مما زاد في غضب بوتين وفي وحشيته، فبدأ هجوما على حلب اتبع فيه أسلوب الأرض المحروقة، فتحولت حلب خلال أيام قليلة إلى مدينة أشباح، وحوصر أهلها في مساحة صغيرة لا تتعدي 2 كيلومتر مربع.

هنا أيضا تدخلت تركيا، التي لم تتوقف عن بذل الجهود والمساعي الحميدة، من أجل حلب إنقاذ البقية الباقية من حلب وأهلها، فتوصلت إلى اتفاق مع الروس، بإجلاء السكان إلى ريف حلب الشمالي والغربي.

لكن إيران كان لها أجندة أخرى تختلف عن أجندة الروس. إيران تريد لمعركة حلب أن تكون ثأرًا تاريخيًا لا من حلب وسورية فحسب، بل من الأمتين العربية والإسلامية. تقصدت إيران – ولا تزال – عرقلة عملية تخلية السكان، فأمطرت المدنيين الذين ينتظرون تخليتهم بالرصاص لتقتل منهم العشرات، ثم أطلقت قطعانها ميليشياتها الحاقدة لكي تمعن في إيذاء الحلبيين وإهانتهم.

ظهور قاسم سليماني وهو يتجول في حلب بالقرب من قلعتها، شكل تحديا واضحًا لعموم الأمة الإسلامية، وحمل رسالة تهديد طالما لوح بها الإيرانيون ضد دول الخليج العربي تحديدا.

الشعب التركي كان في مقدمة الذين بادروا إلى التنديد بأفعال الإيرانيين والروس في حلب، فقد عمت المظاهرات الاحتجاجية جميع أنحاء تركيا. فنظمت وقفات احتجاجية أمام البعثات الدبلوماسية الروسية والإيرانية، وانطلقت قافلة تضم آلاف السيارات نحو الحدود السورية التركية، تعبيرا عن الغضب مما يحدث من جرائم ضد الإنسانية في حلب.

العلاقات التركية الإيرانية تشهد أوليات لم تشهدها من قبل. ففي الرابع والعشرين من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي الذي يصادف ذكرى إسقاط الدفاعات الجوية التركية للطائرة الروسية، قامت طائرة دون طيار إيرانية باستهداف موقع لقوات درع الفرات قتل على إثره أربعة جنود أتراك في محيط مدينة الباب. السلطات التركية، وبعد تأكيد الروس بأنهم لم يستهدفوا الجنود الأتراك، قامت بقصف الفوعة وكفريا الشيعيتين.

في سابقة هي الأولى أيضا في تاريخ البلدين خرجت جموع الأتراك في مظاهرات احتجاجية تندد بالانتهاكات الوحشية التي تركبها إيران في سورية عموما وحلب على وجه الخصوص.

لقد شكل اجتياح حلب وتدميرها على يد المليشيات الإيرانية نقطة تحول في نظرة غالبية الشعب التركي نجاه إيران. الطبقة السياسية التركية شديدة الحساسية تجاه الصراعات المذهبية، وكذلك عموم الشعب التركي الذي يعتبر أن القوى الأجنبية، والغرب تحديدا يريد إشعال حرب في المنطقة على أساس مذهبي طائفي. بل إن كثيرا من الأتراك كانوا ينظرون بعين الريبة لثورات الربيع العربي لأنها تسببت في بروز الخلافات المذهبية من جديد.

لكن نظرة الأتراك اختلفت جذريا بعد معركة حلب. فقد باتوا ينظرون إلى التدخل الإيراني في المنطقة، على أنه مشروع قومي فارسي توسعي، لا علاقة له بالدين أو المذهب. يتفق ويتساوق مع العقلية الصليبية التي تريد تمزيق منطقة الشرق الأوسط. الكاتب الصحفي أفق أولوطاش لخص التحول في نظرة الأتراك نحو إيران في عنوان مقاله “جمهورية المجازر الإسلامية”.

السلطات الإيرانية من جهتها أعلنت البارحة عن تأجيل زيارة النائب الأول للرئيس الإيراني اسحاق جهانغيري كانت مقررة اليوم لأنقرة. لتشير بشكل واضح إلى أن العلاقات التركية الإيرانية مرشحة للمزيد من التوتر والصدام.

مشاركة