السوريون المسيحيون في الوجود والدور والتموضع التاريخي

74

جورج صبرة

شيء من التاريخ 

سورية بلاد المسيحيين مثلما هي بلاد المسلمين . ولا يستقيم الفصل بين تاريخ المسيحية وسورية ، أو بين تاريخ سورية والوجود المسيحي فيها . فمن دمشق خرج بولس الرسول مسيحياً ، يحمل رسالة المسيح ومبشراً بها في أربع أصقاع الأرض . وتلامذة المسيح هم الذين حملوا المسيحية إلى الجزيرة العربية ، حيث بدأ التواصل والحوار بين المسيحية والإسلام في وقت مبكر من عصر النبوة . فاختلاف العقيدة لم يحل دون التعاون والتساند والعمل المشترك بين المسلمين والمسيحيين كأبناء شعب واحد في قضايا الدولة والمجتمع . ولم تخلُ قصور الخلفاء الأمويين من الوجود المسيحي كوزراء وولاة وأصحاب رأي ومشورة .

تتجاور المساجد والكنائس في سورية حتى يكاد بعضها يتكىء على بعض . ويعيش المسلمون والمسيحيون معاً في جميع المدن والأرياف على طول البلاد وعرضها متقاسمين مر الحياة وحلوها في تاريخهم الطويل . وقد عملوا معاً على إعمار المدن وتمدين أريافها ، مثلما عملوا معاً كفلاحين في السهول الواسعة والجبال الوعرة لإنتاج الغلال والخيرات ، وصنعوا بلداً منتجاً بفضل تعاونهم من خلال التواجد المشترك السلمي والمتفاعل ، الذي كان باستمرار السبيل الأمثل للعيش والاستقرار وفق منظور ” الوحدة في التعدد ” . 

في معارك التحرر الوطني والاستقلال 

ولأن المسيحيين مكون أصيل في البنية التاريخية والاجتماعية والروحية لبلدنا ، وكانت ثقافة الحرية والديمقراطية والحداثة باستمرار من أولى أهدافهم وعلى رأس ثوابتهم الوجودية وطابعهم التواصلي ، الذي لا يسمح بسيطرة التطرف والانغلاق على الذات ، لم يعتبروا أنفسهم أقلية ولم يتصرفوا بعقليتها . كما أن شركاءهم في الوطن لم ينظروا إليهم كأقلية ولم يتعاملوا معم كذلك . فالحقوق واحدة للجميع ، والمسؤوليات واحدة ومشتركة على الجميع أيضاً . وقد لخص ذلك البطريرك غوريغوريوس حداد منذ قرن بقوله :        ” أولسنا نحن والمسلمون توحدنا جامعة الانتساب إلى أرض واحدة ووطن واحد ؟ ” .

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر حين بدأت تبرز الجمعيات الاجتماعية والسياسية ، كانت أيدي المسلمين والمسيحيين معاً في تأسيسها وإدارتها . وفي مؤتمر باريس 1913 الذي ناقش ” الاحتلال الأجنبي والنضال الوطني ”  ورفض بشدة ” دعاوى حماية نصارى سورية من أجل تحقيق المطامع الأجنبية ” ، كان المسيحيون أكثر من ثلث أعضاء المؤتمر . وفي 1915 – 1916 تلاقت أعناق أحرار البلاد من المسيحيين والمسلمين على أعواد المشانق في بيروت ودمشق لوقوفهم في وجه الاستبداد العثماني ، ومنهم رهبان ومشايخ . كذلك كانوا يداً بيد في المؤتمر السوري العام بدمشق 1920 الذي أعلن استقلال سورية . 

وخلال فترة الانتداب الفرنسي خاض المسيحيون معارك الاستقلال السياسية والثورية المسلحة مع أبناء وطنهم في الثورة السورية الكبرى 1925 ، التي خلا بيان إعلانها من أي إشارة إلى الأديان . بل خاطب      ” الوطنيين السوريين ” بعيداً عن الأكثرية والأقليات . فقد كان رجال الاستقلال والثورة من جميع مكونات الشعب . وكان للمسيحيين منهم دور الريادة والتمكين في العديد من المواقع . فقد اختار السوريون بإرادتهم الحرة درزياً ( سلطان باشا الأطرش ) لقيادة الثورة ، وكردياً ( ابراهيم هنانو ) لرئاسة الجمعية التأسيسية لوضع الدستور ، ومسيحياً ( فارس الخوري ) لرئاسة الحكومة والبرلمان عدة مرات .

في بناء الدولة الحديثة 

ساهم المسيحيون بقوة في بناء دولة الاستقلال وبلورة الرؤية الوطنية للدولة والمجتمع بعيداً عن عقلية الأكثرية والأقليات ، فكان الوطنيون السوريون من جميع المكونات هم الأكثرية الساحقة . وأثبتوا أن التعددية الدينية ليست مشكلة ، إنما غياب الطابع الوطني الحقيقي للدولة هو أس المشاكل . وكانت مشاركتهم ملحوظة وفعَالة في إطار مؤسسات الدولة والمنظمات الاجتماعية وفي مجمل الحياة العامة السياسية والثقافية والاقتصادية ، ولعبت نخبهم أدواراً مشهودة في الانتاج والتنمية والتحديث أكبر مما يفترضه أو يتيحه وجودهم العددي ، فبرز منهم القادة السياسيون والمبدعون في الفكر والثقافة والصحافة والفن . ولم يكن هذا التجذر والعطاء بفضل شجاعة المسيحيين ووطنيتهم ومؤهلاتهم فقط ، إنما بفضل حكمة المسلمين واعتدالهم والتزامهم بمقتضيات دينهم الحنيف وانفتاحهم على أبناء وطنهم المختلفين معهم في الانتماء الديني والإثني أيضاً ، وذلك استناداً إلى القيم الأخلاقية والإنسانية والدينية المشتركة . وقبل ذلك وبعده بفضل النظام الديمقراطي التعددي القائم على مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات الذي اختاره السوريون لدولتهم المستقلة . وهكذا كانت سورية الاستقلال دولة صاعدة وواعدة على طريق الحرية والديمقراطية والتنمية . دولة الكل الوطني ، تمثل إرادة شعبها رغم حداثة العهد بالاستقلال . 

ليل الدولة الأمنية الطويل 

إن النظام الشمولي الذي حكم بلادنا بالقهر أكثر من نصف قرن ، وعمل على اختراق المجتمع وتفتيته وتدمير الوحدة الوطنية للشعب السوري ، وحوَّل الدولة إلى مزرعة فئوية تعتمد التسلط والتهميش والفساد هو الذي أيقظ وحش الطائفية وأطلقه في الفضاء السوري ، وأسس لولادة التنظيمات الجهادية المتطرفة والإرهابية التي كان المسلمون أنفسهم أكبر ضحاياها وأول من حاربها . وبينما يدعي النظام حماية الأقليات لا يفعل إلا أن يأخذها رهينة لتأمين بقائه واستمرار وظيفته ودوره على حساب خراب المنطقة ودماء شعوبها . مع ما يحمله هذا النهج من أخطار على السوريين – وخاصة المسيحيين منهم – دفعتهم إلى دوامة مأزقية تخيرهم بين الهجرة من وطنهم أو مساندة الاستبداد والقتال دفاعاً عنه . ومن المؤسف والمؤلم حقاً أن يكون نظام القتل عاجزاً عن الدفاع عن نفسه وعديم القدرة على تحسين صورته وتبرير استمراره ، بينما يتبرع بعض المسيحيين بوضع أنفسهم بخدمته ، ويجهدون في الدفاع عنه ومساندته و تحميل المسيحيين أوزار ارتكاباته ، دون أن يدركوا بأن البشر المستلبين في وجودهم ودورهم وكرامتهم عاجزون عن بناء وطن ومجتمع ودولة . إنما ينتجون التطرف والإرهاب والصراعات والحروب العبثية الظالمة وخراب الحياة العامة مادياً ومعنوياً . فتعاظمت في هذه المرحلة هجرة المسيحيين ، ولم تكن لأسباب اقتصادية إنما نتيجة عوامل الطرد العديدة التي يأتي في أولها النهج الطائفي والقمع وانعدام الحريات وانسداد الآفاق أمام الأمل والسلم الأهلي والاستقرار والمستقبل الآمن ، لتنخفض نسبتهم من 25% إلى 5% بين بداية القرن العشرين ونهايته . 

لم تنطل على أحد أحابيل النظام وزعيقه المتصاعد بالوطنية والقومية والتحرير والتقدم الاجتماعي . فأساليب التدمير الممنهج للوطنية السورية كانت تنذر وتشير إلى المخاطر القادمة . لذلك شارك المسيحيون بفعالية – مثل جميع مكونات الشعب السوري – في معارضة نظام الدولة الأمنية التسلطية وأساليب القمع والإرهاب التي اعتمدها في السيطرة على المجتمع ، ويأتي في أولها النهج الطائفي البغيض بمواجهة أكثرية الشعب . وغصت سجون آل الأسد منذ 1970 بالمئات من النخب المسيحية الوطنية من مختلف الاتجاهات السياسية ولسنين طويلة ، وقضى العديد منهم تحت التعذيب .

في الثورة السورية وتداعياتها 

عند انطلاق الثورة في آذار 2011 كانت مشاركة هذه النخب واضحة ورائدة في العديد من فعاليات الثورة ومواقع نشاطاتها . وآلة القتل والتدمير الجهنمية طالت سورية وطناً وشعباً وبالتالي الجميع . فهدمت الكنائس ( 40 كنيسة ) مثل مئات الجوامع ، وتعرض الشباب المسيحي للملاحقة والاعتقال والقتل والموت تحت التعذيب مثل غيرهم من شباب سورية . كان موقف الكنيسة ( على اختلاف المذاهب ) ملتبساً ومخجلاً وفي المقلب الآخر من رؤية المسيحية لقضية الحرية والكرامة التي تنشدها الثورة تحت دعاوى الحماية والأمن . موقف لا يتسق مع تاريخ المسيحية والسيرة الوطنية للكنيسة الشرقية التي كانت على الدوام كنيسة الوطن والإنسان ، ولا يراعي مصلحة المسيحيين كمواطنين على أرضهم التاريخية وشركاء في بناء الوطن .

 إن رجال ” إكليروس السلطان ” – أسوة بما عرف عند المسلمين بـ ” فقهاء السلطان ” – وضعوا أنفسهم والمؤسسات الدينية التي يديرونها بأمرة السلطة وأجهزتها ومحل انصياع لإرادتها وتوجهاتها . وصارت غب الطلب لأي رأي أو موقف أو بيان ، وتحت إمرة ” قسم الأديان ” في فروع المخابرات . فهل يكفي التباكي على هجرة المسيحيين والخوف الكلامي على مصيرهم ؟ ومتى كان الخارج مصدراً للحماية ؟ وكيف يتجذر المسيحيون على أرضهم ، ويستمرون بالعطاء خارج الاندماج الوطني والمشاركة في بناء الحياة وصناعة التاريخ ؟ لن نسمح لأحد بأخذ كنيسة المسيح إلى الموقع الخطأ ، فليذهبوا وحدهم .

استنجد النظام بجيش إيران ومليشياتها المذهبية لحماية نفسه من السقوط . وقد شاركته بأعمال القتل والتدمير والتهجير الممنهج لتحقيق التغيير الديمغرافي والإحلال السكاني ، مما أثار الضغائن التاريخية بطروحات لا علاقة لها بالعصر، وأجج روح  التطرف والإرهاب تحت شعارات دينية ، وهدد مجمل أطراف الجماعة الوطنية السورية ، مسيحيين وغير مسيحيين من السوريين المعروفين ياعتدالهم ومدنيتهم . فطالهم إرهاب الدولة المنظم وإرهاب الجماعات المتطرفة . الأمر الذي أخل بالتوازن الوطني ، وجمد مشاركة قطاعات مجتمعية وازنة في مواجهة قطبي التطرف السلطوي والديني ، اللذين أعطبا أمن الشعب ومسار الثورة .

وفي أيلول 2015 جاء الاحتلال الروسي ليكمل ما عجز الحشد الإيراني عن فعله . وكان مشهداً شديد الوقع على السوريين أن يروا بطريرك موسكو يبارك آلة القتل الروسية التي ترتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية على المدنيين والمنشآت الصحية والتعليمية . وأن يتحدث أقطاب كنيسته عن ” الحرب المقدسة ” و” حماية المسيحيين ” في استحضار مشين لخطاب حروب الفرنجة ( الحروب الصليبية ) وأغنية الشيطان الاستعمارية التي تتردد بين حين وآخر لتغطية الأطماع الدولية والاحتلال الأجنبي تحت اليافطة البغيضة    ” حماية الأقليات ” . لكن الخطر الأعظم على بلادنا ومنطقتنا يتمثل في مشروع ” تحالف الأقليات ” الذي يتلحف ببدعة اسمها ” المشرقية ” في مواجهة العرب والمسلمين ، ويتلاقى مع رؤية النظام السوري ونهجه ، ويسوِّق له الإيراني ويباركه الروسي والإسرائيلي . وهذا ما يخرب الوحدة الوطنية للشعوب ، ويضع المنطقة وأهلها – ومنهم المسيحيين – في دوامة عدم الاستقرار والصراعات الدائمة . وأي حديث عن الضمانات والحماية والتحالفات – من الداخل أو من الخارج – مرفوض وتجب مقاومته . لأن الضمان الحقيقي والدائم هو الذي يوفر الكرامة والعدل للإنسان فرداً كان أو جماعة ، أكثرية أو أقلية . ويأتي من الاندماج في المجتمع وإنجاز الوحدة الوطنية ، التي تصبح وعاء للدفاع والحماية يقدمها الجميع للجميع . ويبقى خير الضمان ببناء الدولة المدنية الديمقراطية التعددية ، دولة الكل الوطني لجميع مكونات الشعب ، في ظل الحياة الدستورية ومنظومة الحريات العامة والخاصة ، دولة سيادة القانون التي تبنى على المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات ، وتحترم حقوق الإنسان .  

أخيراً : ليس للسوريين المسيحيين أي قضية خاصة خارج القضية الوطنية العامة للشعب السوري . وليس لديهم مظالم أو مطالب فئوية بعيداً عن مطالب شعبهم في الحرية والكرامة . ويحلمون بسورية الجديدة وطناً حراً لكل أبنائها ، تحقق ما ساد تاريخياً من تآلف وتعاون في فضاء وطني ، ينمي حقهم في العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية . وطن هم جزء أصيل من شعبه ، وليسوا أقلية تخدم المستبدين أو تسمح بالتلاعب بها من الخارج . فالثورة لجميع السوريين وفي انتصارها المنشود حياة جديدة وواعدة . وطوبى لمن يقول : إنني مع شعبي وأبناء وطني في السراء والضراء . هكذا كنت . . وهكذا سأبقى ، ويفعل ذلك حقاً .

* ورقة قدمت لمؤتمر المسيحيين العرب الأول 

باريس 23 / 11 / 2019 

مشاركة