الدين والحداثة والمستقبل.

78

كامل عباس

يمكن ملاحظة عاملين كانا وما زالا يعملان بشكل متعاكس في تجمعات الحداثة البشرية.
عامل إيجابي معرفي يشد إلى الأمام ويستند على خبرة وثقافة البشرية ويخدم كل فئات المجتمع.
وعامل سلبي أيديولوجي يشد إلى الخلف ويخدم فئة قليلة منه على حساب باقي فئات المجتمع. سأتابع تأثير العاملين من خلال حقلين لهما تأثير كبير على سلوكنا كبشر وهما حقل الدين وحقل الحداثة.
في حقل الدين: كل الأديان السماوية قاطبة تحض على فعل الخير وتنهى عن الفحشاء والمنكر وكل أنبيائها ورسلها ومصلحيها بدأوا دعواتهم بالعمل من أجل المستضعفين والمظلومين والمقهورين في الأرض. سنستشهد هنا بالدينين الأكثر انتشارًا وهما الدين المسيحي والدين الإسلامي.
الدين المسيحي
تزّعم المسيح حركة ثورية ضد فساد الإمبراطورية الرومانية ممثلة بشخص حاكمها – هيرودوتس – في فلسطين، وهو يشترك مع كل الأنبياء والمصلحين الدينيين الذين جاؤوا قبله وبعده باعتمادهم على السماء. لقد كان المسيح ثائرًا على طريقته الخاصة، عمل بلا كلل من أجل الفقراء وسار أتباعه على خطاه فأسسوا حركة طوباوية ثورية اعتمدت على:
بعد نظري: عماده قول اليسوع لتلاميذه “الحق أقول لكم إنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السموات’ وأقول لكم أيضا إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني الى ملكوت الله” لقد اختار الله حسب قول المسيح فقراء العالم ليكونوا ورثة ملكوته
وبعد تنظيمي: يقوم على اجتماعات دورية أسبوعية يتم فيها مناقشة كل الأمور التي تتعلق بدعوتهم في جانبها الإيماني والعملي والحركي اتخذت فيما بعد شكل القداس المسيحي الأسبوعي.
وبعد عملي: يقوم على حياة مشتركة بكل شيء كما تحدثنا أعمال الرسل.
ثلاثة قرون صبر فيها المسيحيون الأوائل على كل أنواع التعذيب والعزل والملاحقة والاضطهاد وصمدوا صمودًا أسطوريًا رفضوا فيه الخضوع لقوانين الدولة الرومانية الدكتاتورية وفي مقدمتها إحراق البخور أمام تمثال الإمبراطور وعبادته كونه يجسد إرادة الآلهة في الأرض.
صُلب المسيح على خشبة ودقت المسامير في أطرافه، وأعدم بعده بطرس وبولس، ولكن الدعوة المسيحية استمرت وسط ملاحقة واضطهاد أساقفتها وتوفي أسقف أورشليم وأنطاكية في السجن وأعدم أسقف روما وطولوز عام 250 م وألقي الكثير من المسيحيين الرومان في غيابة الجب وقطعت رؤوس بعضهم ومات الكثير منهم على قوائم الإحراق وألقي عدد منهم إلى الوحوش في حفلات الأعياد، ولكن ذلك لم يمنع من انتشار المسيحية كتنظيم على الأرض أكثر رأفة بالإنسان من الفكر الوثني الامبراطوري السابق له.
الدين الإسلامي
بعد المسيح بستة قرون ظهر نبي آخر في جزيرة العرب هو محمد بن عبد الله، مؤسس الأممية الثانية على أرضية دينية. كان همها مثل الأولى الإنسان سواء كان عربيًا أم أعجميًا، وشعارها تمكين المستضعفين في الأرض (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، وقد آمن بدعوته أولًا نفر من الفقراء مثل بلال الحبشي وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وغيرهم وصبروا وصابروا حتى نجحت دعوتهم قبل وفاة نبيهم وبزمن أقصر بكثير من زمن أنصار الدعوة المسيحية.
وقد تمكن النبي محمد من ان يؤاخي بين المؤمنين والمشركين واليهود ويقيم دولة لها دستور أرضي من خلال ما سمي وثيقة المدينة أول حكمه وتبعه فيما بعد خلفاؤه الراشدين الأوائل الذين عملوا بتعليمات ذلك الدين المتعاطف مع كل فقير ومظلوم.
فُرِغ جوهر الدين من مضمونه عند كل الأديان فيما بعد بفضل ذكاء وحنكة الفئات المتضررة من انحيازه لصالح الفقراء.
لندع الحقائق تتحدث عن نفسها
أعلن الإمبراطور الروماني ديسيوس أمام أركان دولته في عام 251 م قائلا: إنه يفضل أن يكون في روما إمبراطور ثان ينافسه عن أن يكون فيها بابا ينطق باسم المسيحيين لكن الإمبراطور قسطنطين بعده كان أذكى منه بكثير؛ فقد وجد أن من الحكمة اعتناق الدين المسيحي وجعله الدين الرسمي للدولة حتى يتم التأثير فيه من داخله بعد أن عجزت الدولة عن التأثير فيه من خارجه، وفعلا اعتنق المسيحية في عام 323م وجعل الدين المسيحي دينًا رسميًا للدولة، وبدأ بالعمل الجاد من أجل تكييف الدين بما يخدم الفئة القليلة المستغِلة في المجتمع. من أجل ذلك دعا لعقد المجمع المسكوني الشهير في التاريخ عام 325 م وعُقِد تحت إشرافه في نيقية – ازنيق الحالية – في آسيا الصغرى، وفيه تم اعتماد الأناجيل الأربعة – متى، مرقس، لوقا، يوحنا – وأحرقت عشرات الأناجيل الأخرى، وخرج بتعاليم مسيحية عالمية تخدم الدولة والكنيسة معا، وكل من لم يتقيد بها عُدّ هرطوقيًا يجب معاقبته في الأرض قبل السماء.
منذ ذلك التاريخ بدأ التحول في تاريخ الكنيسة لتصل بالنهاية إلى عكس ما انطلقت منه على كل الأصعدة. فقد أصبحت الكنيسة من أدنى رتبة فيها إلى أعلاها- رأس الهرم الجالس على الكرسي الرسولي – معنية بجمع المال وبأي طريقة كانت بما فيها بيع وشراء المراتب الدينية والداعم الأساسي لحق الملوك الالهي في السلطة لدرجة أنها أنشئت محاكم تفتيش تحرق المخالفين لتعاليمها أحياء كما جرى للطبيب ورجل الدين الإسباني مايكل سرفانتس عام 1553م .
جرى للدين الاسلامي ما جرى للدين المسيحي أيضًا، فقد سارع المشركون لاعتناق الاسلام من أجل التأثير فيه من داخله بعد أن عجزوا عن التأثير عليه من خارجه وحوّل بنو أمية الإسلام من نظام الشورى إلى نظام الملك العضوض وأحاطوا أنفسهم بالفقهاء وكتاب السيرة المدافعين عن الخليفة بنفس الروح التي دافع بها الأساقفة عن الحق الإلهي للملوك وعندما حّج الكثير من ملوك بني أمية على جمال محملة بالخمر والعاهرات وجد من يدافع عنهم باسم الإسلام ويقول ان الله اكبر من أن يولي أمر امة المسلمين إلى زنديق حتى ولو جاهر بذلك.
في حقل الحداثة
ليست الحداثة سوى انفجار معرفي بدأ مع اختراع الآلة واعتمد على قوانين أرضية لا دور للسماء فيها.
بدأت الحداثة في أوروبا وتحديدًا في القرن السابع عشر عبر قرن أنوارها. قام المشروع المركزي للتنوير على أساس الاستبدال بالأخلاق القائمة على الدين أخلاقًا نقدية عقلانية كأساس لحضارة كونية تأتمر بأوامر العقل وقدرته على اكتشاف القوانين الاجتماعية الأرضية.
أراد فلاسفة قرن الأنوار أن يكون العقل خادمًا لكل الطبقات الاجتماعية بحيث تأتي منجزاته ضمن القيم الإنسانية ولمصلحة المجتمع ككل؛ لذا يقع على عاتق الدولة تحرير فقرائها من الجهل والمرض والسكن الوضيع والاستغلال في العمل. هكذا يجب أن تكون الدولة في ظل سلطة العقل بوصفها عقدًا اجتماعيًا بين مكونات المجتمع يؤدي إلى طاقة خلاقة داخلها من خلال النظر لأبنائها كمواطنين، لا كرعايا.
بكل أسف هضمت الفئات الغنية اندفاعة العولمة وحوّلتها لخدمة جاهها ونفوذها في المجتمع بسهولة ويسر أكثر من هضم تعاليم الأديان وتحويرها.
أوروبا استثمرت فلسفتها حول الحرية والعقل والعلم وجيرت منجزاتها لمصلحة كل الطبقات بأقل من قرن فاختزلت الحداثة إلى بعد واحد قائم على المصلحة وحذفت منه بعده الثاني وهو القيم الإنسانية.
أصبح هّم الغرب مراكمة المكاسب عبر توفير عوامل القوة الصناعية والمالية والعسكرية، وفرض هيمنته وسيطرته على مساحاتٍ شاسعةٍ من الكرة الأرضية، للاستحواذ على ثرواتها وتحويل سكانها إلى قوة عمل لصالحه في علاقة تبعية صريحة وقاسية.
انتهت حداثة أوروبا بالدفاع عن مصالح الأغنياء في البلد الأم أولًا وفي البلدان المستعمرة ثانيًا وفي كل أنحاء العالم ثالثًا حتى وصلنا إلى زمن الحداثة الحالي بعنوانه المعروف في كل أنحاء المعمورة وهو الشركات الرأسمالية الحالية. أوروبا مهّدت لتلك الشركات التي أحدثتها دولها على مبدأ تحقيق مزيد من الثروة عن طريق زيادة معدل ربح الشركة حتى لو أدى ذلك إلى هدم حياة البشر المستهلكين لمنتجاتها، وإن كان معدل ربحها سينخفض عندما تزداد منتجاتها، فلا مانع من قذف الزائد في البحر كما جرى لأطنان من الجبنة في أوروبا أو لحرق الكثير من حبوبها حتى لا ينخفض معدل الربح ؟! أما الكلام عن الدولة وعقدها الاجتماعي ودورها في خدمة كل مواطنيها كما عبّر عن ذلك فلاسفة الأنوار الأوائل فقد أصبح حديث خرافة في زمن حداثتنا الحالية.
لقد تمكنت الطبقات الغنية من هضم مسيرة الدين اولًا ومن ثم الحداثة ثانيًا، وها هي الآن في زمن العولمة منتشية بنجاحها على الصعيد الأيديولوجي بنفس القدر من نجاحها على الصعيد العسكري، فإنساننا الحالي مشغول بمصلحته الخاصة حتى ولو كان ذلك على حساب المصلحة العامة، وهو يمجد الشاطر الذي يستطيع جمع ثروة وعقارات وملكية خاصة ومن ثم تأمين مصلحته الشخصية بأي طريقة له ولورثته من بعده – ويحتقر المصّرين على حمل قيم وأخلاق تناصر المصلحة العامة بوصفهم أغبياء لا يفهمون لغة العصر .
أعتقد أن فلاسفة عصرنا الحاليين ومثقفيهم ومفكريهم معنيون باللحظة الحالية السائدة في قريتنا الكونية الحالية والتي أدت إلى أن تكون منتجات العلم والعقل لخدمة تلك الفئات الغنية فقط. الحقائق تفقأ العين على سبيل المثال لا الحصر.
أنتج لنا العلم قنابل كيميائية ذات تدمير شامل ونترونية تقتل كل أنواع الخلايا الحية وتبقي على الجماد، وبكتريولوجية تنهش لحم الإنسان وهو حي. وكل هذه الأسلحة من أجل إخضاع الشعوب لحاكميها وجلاديها وسارقي قوتها. وهكذا يبدو وكأن محنة الفقراء الحالية بسبب العلم والعقل.
هذه هي حقيقة حداثة عصرنا فهل يلام الإنسان العادي العفوي فيه إذا كفر بالعلم والحداثة وعاد إلى الدين ؟!
للأمانة والموضوعية كان لمكر التاريخ ومنطقه دور في إضعاف الحداثة أمام الدين بسبب الزمن القليل والسرعة الصاروخية التي انتشرت فيها الحداثة وأوصلتنا إلى قريتنا الكونية قياسًا بزمن طويل جدًا سيطر فيه الدين؛ مما مكّنه من تشكيل ضمير ديني قائم على القيم والأخلاق ومناصر للإنسان المظلوم، وجعل المؤمن يخاف في لا شعوره من عقاب الله إذا تجّرأ ووقف في صف الظالم ضد المظلوم، في حين لم يمهل التاريخ الحداثة لتشكل ضميرًا منحازًا للإنسان وحقوقه قادر على محاسبة العقلانيين، بل بدا بسبب قصر ذلك الزمن، وكأن الحداثة ضد القيم والأخلاق ومع الخلاص الفردي كيفما جاء.
الخلاصة .
رغم كل محاولات قوى الفساد لتفريغ الدين من مضمونه بقي شوكة في خاصرتها والتاريخ يحدثنا عن كثير من المناضلين اللاهوتيين الذين ضحوا من اجل الإنسان، ورغم كل ما فعلوا في الدين المسيحي لدرجة وصلت إلى بيع صكوك الغفران في الكنائس لسلب الفقراء ما زاد عن حاجتهم، إلا أن هذا الدين عاد من جديد ليكون داعمًا لجعل الإنسان يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأكبر مثال على ذلك لاهوت التحرير التي تبلورت ملامحه في أمريكا اللاتينيَّة في القرن العشرين.
لقد جمعت هذه الظاهرة بين ما هو روحي وما هو زمني، بين القيم الدينيَّة الكونيَّة والاهتمام بمتطلّبات الحياة الماديَّة.
ألا تحثّنا ظاهرة لاهوت التحرير على إعادة التفكير في علاقة الروحي بالزمني، بحيث لا نرى في الدّين مجرَّد تجربة روحيَّة شرطها الأساسي انقطاع المؤمن عن الحياة الماديَّة؟
وما قولكم بالبابا يوحنا والكثير من البابوات الذين يدعون إلى الحوار بين الأديان من أجل العمل بما هو مشترك فيها لمصلحة الإنسان المستضعف في الأرض بدلًا من دعوات مسيحية سابقة لتكفير من ليس مع دعوتها.
أما الدين الإسلامي فهو دين أخلاقي إذا صح التعبير وشريعته السمحة متعاطفة مع كل فقير ومظلوم وتجعل للفقراء نصيبًا من أموال الأغنياء وهذه شهادة مثقف مسيحي من أصل فلسطيني هو الدكتور وائل بشارة حلاق يقول في كتابه (الدولة المستحيلة )ص 283 ( أراد الاسلام خلق إنسان اقتصادي خاضع لقاعدة أخلاقية أعلى. وهذه الذات الأخيرة ليست شيئًا عارضًا أو مجردًا في بنية الإسلام والحكم الإسلامي …. هذا الإنسان الاقتصادي تحديدًا هو الذي خلق خلال ألف سنة مجتمعًا مدنيًا أبعد السياسة والسلة التنفيذية وحدد ما يعنيه الإسلام وهو السعي إلى الثروة والربح بشرط الالتزام ماديًا ونفسيًا بالمسؤولية الأخلاقية. هذا ما يدل عليه بوضوح اثنا عشر قرنًا من التاريخ الاسلامي الاقتصادي … )
كما يقول ص294 كان ميل الشريعة الأخلاقي شوكة في جنب الاستعمار في العالم الإسلامي، شوكة يتعين نزعها. هكذا يلخص القضاء على الشريعة في القرن التاسع عشر كل شيء، لم تستطع الحداثة ودولتها أن تقبلا، ولا يمكن لهما أن تقبلا الشريعة بمعاييرها؛ لأن هذه المعايير أخلاقية وذات نزعة مساواتية بصورة عميقة )
لا أريد أن يفهم من كلامي أنني أروج للدين فأنا أعرف أن الأديان كلها قائمة على بعد ميتافيزيقي لا يستطيع مجاراة العصر، بل أنا أروج لخلق تنمية اجتماعية عريضة لكل الطبقات بالاعتماد على قيم الحداثة كما عرفها قرن الأنوار أولًا وإلى استخدام التراث الإنساني ثانيًا استخدامًا إيجابيًا بحيث نعتمد على الجمع الخلاق بين القيمة والمصلحة؛ من أجل تنمية اجتماعية اقتصادية عريضة لمصلحة الجميع.
تنّكر بوتين وترامب – بوصفهما عنوانين للدولتين العظميتين – لكل ثقافة وحضارة الجنس البشري ولا يعنيهما الإنسان ولا حقوقه ولا القانون، بل عادا لاستعمال القوة العارية من أجل اقتسام خيرات الشعوب وجعل الاقتصاد العالمي في خدمة الشركات المتعددة الجنسية المتجسدة بشكل رئيسي بمافيها السلاح والطاقة الآن، وهما ناجحان على ما أعتقد على الرغم من أن نجاحهما ليس في مصلحة حتى دولتيهما مستقبلًا ناهيك عن بقية البشر . العالم الآن – بسبب نهج تلك المافيات القائم على استنزاف موارد الطبيعة دون أي حساب لا للمستقبل ولا لغالبية البشر- يشرب مياهًا ملوثة، ويستنشق هواء غير عليل، ويعيش في مناخ احتباس حراري لا يعاني منه البشر فقط بل وكل الكائنات الحية. وهم عاجزون على ما أعتقد عن توفير مياه غير ملوثة لهم فقط وإن استطاعوا تأمين تلك المياه النقية لهم، فهل يستطيعون تأمين هواء عليل خاص بهم؟
أخيرا أحببت أن أختم بحثي بواقعة مستمدة من حياتي الشخصية قد تخدم فكرتي على ما أعتقد
كان والدي رحمه الله ككل فلاحي القرية يعمل مرابعًا عند إقطاعييها، وفي أوائل الخمسينيات بدأت تصفية الإقطاع فيها، فبادر إقطاعيوها إلى بيع الأراضي للفلاحين، وكنا كعائلة نعمل في كرم مازالت ملكيته لآل عيد اسمه (قليعة بيت الشيخ عيد) عُرِض الكرم للبيع والأفضلية للوالد كونه كان يعمل فيه، ولكنه لم يكن يملك سعره. أمهله صاحب الكرم مدة شهر وعليه أن يتدبر أمره وإلا فإنه سيبيعه لغيره. لم يكن أمام أبي سوى الاستدانة من مرابي المنطقة المعروف والمكروه لفائدته المرتفعة (الفايظ) استمعت إلى ذلك الحوار بين الوالدة والوالد عند بزوغ الفجر وهما يظناني نائمًا لم توافق والدتي على رأي والدي بل بدأت بالبكاء والنواح قائلة للوالد:
ذلك حرام ومخالف لشرع الله ياشيخ ابراهيم. الله تعالى لعن الدائن والمدين ياشيخي أنا أفضل أن نبقى بدون القليعة ولا نعصي الله تعالى. أما رد الوالد فكان كما يلي:
أنا لست أقل إيمانًا منك بالله وتعاليمه يازوجتي العزيزة، وليست لي أي رغبة بعصيان أوامره لكنني مضطر الآن من أجل مستقبل الأولاد وأطمع برحمته فهو الغفور الرحيم.
قبل اليوم الأخير من الشهر استدان والدي المبلغ من المرابي واشترى القليعة (الكرم) التي لاتزال حتى كتابة هذه السطور تسّور بيت القرية بالأشجار المثمرة وتعود ملكيتها لبيت أخي.
لا مناص من تعاون الحداثة والدين حاليًا من أجل جمع متوازن بين المصالح والقيم لإخراج كوكبنا من هيمنة أسوا شرائح الرأسمالية. إن لم نفعل، فقد تقودنا حماقة ترامب وبوتين وملحقاتهما إلى إغراق كوكبنا الجميل بكل ما فيه من كائنات حية وليس إغراق النوع البشري فقط. إن فرصة البشرية هي في توحد كل أحرار العالم- مسيحيين ومسلمين وعلمانيين وديمقراطيين- لنشكل قوة ضغط ترغمهم على التراجع عما تراكم عبر التاريخ من حضارة وثقافة لمصلحة الإنسان من كونه إنسانًا .

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر رأي الموقع
مشاركة