التواجد العسكري الأمريكي في سوريا غاياته وآفاقه المستقبلية

40
مدخل:

لا يسمح الدستور الأمريكي بإعلان الحرب الا بعد موافقة الكونغرس؛ لكن الإدارات الامريكية تتدخل وتنشر قواتها وتشن الحروب في البلدان الأخرى دون اعلان الحرب الذي يتطلب أخذ موافقة الكونغرس وتشريعه في إطارات متعددة مثل الهجمات الاستباقية لمواجهة التهديدات المحتملة على الامن القومي.
 
منذ بداية الحرب السورية ظل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما يردد في أكثر من مناسبة أنه لا يعتزم ارسال جنود أمريكيين إلى سوريا؛ لكن بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2015 نشرت الولايات المتحدة أول دفعة من جنود القوات الخاصة الامريكية بواقع “خمسين جنديا ًمن القوات الخاصة في سوريا في دور استشاري غير قتالي”[i] كأول تواجد عسكري أمريكي على الأرض منذ بدء الحرب السورية وتشكيل التحالف الدولي في أغسطس/آب 2014 بعد أحداث الموصل.

استمرت الولايات المتحدة بتعزيز تواجدها العسكري على الأراضي السورية بشكل متواصل لقتال تنظيم الدولة إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية ليبلغ تعدادهم نحو 500 جندي في نهاية العام 2016 لمهام متعددة بعد استقدام “200 جندي كقوات اضافية بينها مدربون من القوات الخاصة ومستشارون وفرق تفكيك المتفجرات ومقاتلون في القوات الخاصة”[ii].

وقد جاءت زيادة عديد القوات الامريكية في سوريا تحديداً في إطار الجهود الامريكية للقضاء على تنظيم الدولة؛ ووضعت الولايات المتحدة “ما لا يقل عن 1000 جندي أمريكي في الكويت كقوة احتياط في الحرب على التنظيم”[iii] بعد تصاعد وتيرتها مع انطلاق المرحلة الأخيرة من معركة استعادة الرقة في 6 يونيو/حزيران 2017 على أن يتولى القادة الأمريكيون في سوريا مهمة نقل هؤلاء الجنود إلى ساحة المعركة وفقاً لتطوراتها العسكرية.

ومع استلام دونالد ترامب إدارة البيت الأبيض أوعز لوزارة البنتاغون في 27 ديسمبر/كانون الأول 2016 بإعداد “خطة هجومية بقدر أكبر لمحاربة تنظيم داعش في سوريا وتقديمها خلال شهر، وخطة أخرى حول مناطق آمنة، في غضون 3 أشهر”[iv] في توافق تام مع ما سبق أن أعلنه خلال حملته الانتخابية التي أكد خلالها على امتلاكه “خطة سرية” لمواجهة تنظيم الدولة؛ وقدمت وزارة الدفاع خطتها للرئيس الأمريكي تضمنت “تدمير تنظيم الدولة على نطاق واسع ، وتكثيف محاربة تنظيم داعش ليس في سوريا والعراق فحسب، انما في العالم بأسره تشمل حزمة من الإجراءات العسكرية والدبلوماسية والمالية مع إعطاء القادة العسكريين صلاحيات أوسع لتسريع عملية اتخاذ القرارات”[v].

ودخلت القوات الامريكية بشكل مباشر في ساحة الصراع عندما نشرت جنوداً في منطقة منبج إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على المدينة لردع أي تحركات للقوات الروسية أو قوات النظام أو القوات التركية والفصائل المتحالفة معها.
 
الحاجة الامريكية للتواجد على الأراضي السورية:

ترى الحكومة السورية ان الوجود الأمريكي على أراضيها غير شرعي، لكنها منحت موافقات لتواجد روسي منذ عقود زاد بشكل واضح بعد الحرب الاهلية إلى جانب تواجد إيراني بأشكال متعددة؛ وتتواجد قوات روسية على الأقل في قاعدة جوية في محافظة اللاذقية وأخرى بحرية في محافظة طرطوس من شأنهما تعزيز تواجد روسي طويل المدى غرب سوريا وعلى الساحل المطل على البحر الأبيض المتوسط.

ركزت الاستراتيجية العسكرية الامريكية حتى مع الزيادات المتواصلة في أعداد جنودها من القوات الخاصة والمدربين والمستشارين على تقديم الدعم اللوجستي للقوات الحليفة سواء الكردية أو قوات المعارضة المسلحة بإمدادات عسكرية أو معلومات استخباراتية وقصف مدفعي أو اسناد جوي من طائرات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة؛ وهي ذات الاستراتيجية التي اتبعتها القوات الأمريكية في معارك استعادة المدن في العراق.

وتحاول مراكز صناعة القرار الأمريكي الموازنة بين اتجاه يؤكد الحاجة الميدانية لاستقدام أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين لهزيمة تنظيم الدولة، والاتجاه الذي يميل للاقتراب من رؤية الرئيس الأمريكي الذي طالما أكد على “أنه ليس لديه خطط للدخول الى سوريا، واقتصار ذلك على احتمال شن ضربات جوية اذا استخدم النظام أسلحة كيمياوية”[vi] كتلك الضربات التي وجهتها الولايات المتحدة لمطار الشعيرات أوائل أبريل/نيسان 2017 بعد اتهامات لقوات النظام باستخدام أسلحة كيمياوية ضد المدنيين في بلدة خان شيخون؛ لكن الولايات المتحدة تدفع باتجاهين اثنين:
 
الاتجاه الأول:

يتمثل في زيادة الدعم العسكري للقوى المحلية مثل فصائل المعارضة المسلحة التابعة للجيش السوري الحر وقوات سوريا الديمقراطية التي تلقت فور استلام الرئيس الأمريكي إدارة البيت الأبيض “مركبات مدرعة لأول مرة وناقلات جند لمواجهة تنظيم داعش”[vii] استلمها التحالف العربي السوري -أحد مكونات قوات سوريا الديمقراطية -والذي يضم مقاتلين عرب لتجنب الرفض التركي لاقتحام الرقة والسيطرة عليها من قبل وحدات حماية الشعب التي تقود قوات سوريا الديمقراطية وتصنفها تركيا بأنها الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض قتالا مستمرا ضد القوات التركية منذ العام 1984.

وعلى الرغم من الاعتراضات التركية على تسليح القوى الكردية إلاّ أن الولايات المتحدة واصلت تقديم “ذخيرة وأسلحة خفيفة ورشاشات ثقيلة وبنادق آلية وجرافات وآليات عسكرية” للقوات الكردية بشكل عام على أن “تعمل الولايات المتحدة على استعادة هذه الأسلحة في وقت لاحق بعد هزيمة التنظيم المتشدد”[viii].
 
الاتجاه الثاني:

ويتمثل في حث تركيا على زيادة عدد قواتها العاملة في سوريا بعد نجاحها في استعادة مناطق حدودية بالتنسيق مع فصائل المعارضة المسلحة المتمثلة في تحالف “درع الفرات” الذي سيطر على بلدات جرابلس والراعي واعزاز على الحدود التركية السورية ثم سيطرته على مدينة الباب 50 كيلومترا إلى الشمال من مدينة حلب؛ حيث طلبت من تركيا “إرسال 80 ألف جندي تركي لخوض معركة السيطرة على الرقة من تنظيم الدولة”[ix]، لكن تركيا رفضت الطلب لاعتبارات تتعلق بحجم هذه القوات وإصرار الولايات المتحدة على أن تكون قوات سوريا الديمقراطية رأس الحربة في معركة استعادة الرقة، وهو ما ترفضه تركيا التي تتحفظ على كل ما من شأنه زيادة النفوذ الكردي على حدودها الجنوبية، أو زيادة قوة الأكراد جراء الدعم الأمريكي لهم.
 
الانتشار الأمريكي وقواعد التواجد:

تركز الانتشار الأمريكي والقوات المتحالفة معه الدولية أو قوات المعارضة المسلحة في الأشهر الأخيرة على منطقة المثلث الحدودي السوري الأردني العراقي في منفذ التنف الحدودي على مقربة من انتشار قوات النظام والقوات الحليفة؛ وهو معبر ذو أهمية كبيرة لجميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية المعنية بالصراع السوري؛ ووسّعت القوات الأمريكية انتشارها في منطقة معبر التنف لبناء قاعدة عسكرية جديدة لقوات المعارضة المسلحة في منطقة “الزاكف” على بعد حوالي 120 كيلومترا الى الشمال الشرقي باتجاه مدينة البو كمال في محافظة دير الزور.

بدأت الولايات المتحدة تقديم الدعم للقوات الكردية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2014 بعد تشكيل التحالف الدولي في أغسطس/آب من نفس العام من نحو 68 دولة لقتال تنظيم الدولة الذي استولى على مدينة الموصل في 10 يونيو/حزيران 2014؛ وكانت أولى محطات الدعم الأمريكي للأكراد في سوريا معركة التصدي لهجوم تنظيم الدولة على مدينة عين العرب (كوباني) التي كانت تحت سيطرة وحدات حماية الشعب التي انتهت بصد الهجوم بعد معارك جاوزت ثلاثة أشهر خسر فيها التنظيم المئات من مقاتليه لتستمر وحدات حماية الشعب بالتقدم والسيطرة على مدن أخرى انطلاقاً من عين العرب (كوباني) من بينها تل أبيض على الحدود مع تركيا في يونيو/حزيران 2015 وغيرها.

ارتفع الوجود الأمريكي “من 50 جندياً، نهاية العام 2015، إلى 904 في مارس/ آذار 2017؛ وينتشر أغلبهم في المنطقة الممتدة من “المبروكة” شمال غربي الحسكة، إلى التايهة جنوب شرقي منبج”[x] التي يُقدر عدد القوات التي تمّ نشرها بالقرب منها بنحو 400 جندي امريكي لأغراض منع تقدم قوات درع الفرات الحليفة لتركيا أو القوات الحليفة لقوات النظام إلى المدينة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية.

تتخذ القوات الأمريكية مراكز لتواجدها بشكل دائم أو مؤقت في مناطق مختلفة من سوريا غالبيتها ضمن مناطق خاضعة لسيطرة القوات الكردية بمحاذاة الشريط الحدودي مع تركيا؛ ولم تصرح الولايات المتحدة بمواقع تواجدها وانتشار جنودها إلاّ في حالات نادرة دون الإفصاح عن طبيعة مثل هذا التواجد؛ لكن مواقع مقربة من المعارضة المسلحة تشير إلى تواجد دائم في مناطق يمكن تحديدها:
 
مطار رميلان:

وهو من بين أهم مواقع تواجد القوات الامريكية؛ وتمتاز منطقة قاعدة رميلان بوجود ابار نفطية تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وأقامت الولايات المتحدة هذه القاعدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بعد إجراءات بناء منشآت جديدة وتوسعة مدارج الهبوط.

يقع المطار المعروف باسم مطار أبو حجر جنوب شرقي بلدة الرميلان شمال شرقي مدينة القامشلي في محافظة الحسكة على مقربة من المثلث الحدودي السوري التركي العراقي، وهي منطقة معروفة بغزارة انتاجها النفطي وتخضع لنظام الإدارة الذاتية التي تطبقها وحدات حماية الشعب؛ ويعد المطار أول قاعدة تواجد عسكري أمريكي ثابت منذ بداية الحرب الأهلية.

دخلت قاعدة رميلان الخدمة بإشراف أمريكيين في أكتوبر/تشرين الأول 2015، وهي بالأصل مهبط لطائرات رش المبيدات الزراعية والطائرات المروحية تم تطويره في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بعد إجراءات بناء منشات جديدة وتوسعة مدارج الهبوط للتعامل مع طائرات النقل العسكري الخفيفة.
 
قاعدة عين العرب (كوباني):

تقع هذه القاعدة إلى الجنوب من مدينة عين العرب (كوباني) بالقرب من قرية خراب عشق على نحو 33 كيلومتراً إلى الجنوب من الحدود التركية؛ وهي منطقة خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية سبق أن اعترضت تركيا على انشاء القاعدة في هذه المنطقة ما دفع الولايات المتحدة “لنقلها إلى قرية سبت ذات الغالبية العربية”[xi]؛ وتعد هذه القاعدة الأكبر من بين قواعد تواجد القوات الامريكية لتقديم الدعم لقوات التحالف الدولي والفصائل الحليفة، ونقلت صحف غربية معلومات استقتها من تحليل لصور ملتقطة عبر الأقمار الصناعية تظهر وحدات سكنية تتسع لمئات الجنود وأسطول من المركبات مختلفة الأنواع والأحجام إضافة إلى منشات خاصة بطائرات النقل العسكري والدفاع عن القاعدة، مثل الجدران الاسمنتية وأبراج المراقبة؛ وبدت القاعدة بعد تطويرها صالحة عملياً “لهبوط طائرات النقل العسكري الكبيرة من طراز C-130 وC-17 الأصغر حجما”[xii]؛ كما تتخذ القوات الأمريكية من هذه القاعدة معسكراً لتدريب المقاتلين الأكراد وتم مؤخراً تجهيزها بمهبط للطائرات المروحية؛ وتقع بالقرب من شركة اسمنت لافارج التي استولت عليها وحدات حماية الشعب واتخذت القوات الامريكية مبانيها مقرات لها.
 
قاعدة المبروكة:

وهو معسكر صغير في قرية المبروكة تتواجد فيه قوات أمريكية صغيرة الحجم غرب مدينة القامشلي في محافظة الحسكة ضمن مناطق سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية
 
مطار روباريا:

ويقع هذا المطار قرب مدينة المالكية شمال شرقي الحسكة بالقرب من الحدود مع كل من العراق وتركيا؛ وهو في الأصل مطار صغير مخصص للطائرات الزراعية الصغيرة قبل أن تحوله الولايات المتحدة إلى مطار لهبوط الطائرات المروحية بإشراف جنود أمريكيين لتقديم الخدمات اللوجستية للقوات الكردية ودعم قوات التحالف الدولي الأخرى التي تقاتل تنظيم الدولة.
 
تل بيدر:

وتقع هذه القاعدة على مسافة 30 كيلومتراً شمال غربي الحسكة على مقربة من الحدود التركية وتتوفر فيه مهابط للطائرات المروحية ومعسكراً لتدريب القوات غير القتالية مثل الشرطة والدفاع المدني وغيرها لتلبية حاجات القوات الكردية لإدارة مناطق سيطرتها.
 
تل أبيض:

ينتشر في هذه القاعدة عدد كبير من الجنود الأمريكيين تشير بعض التقارير إلى أكثر من 200 جندي ينتشرون في المدينة كما يتم رفع العلم الأمريكي على بعض المباني الحكومية داخل مركز المدينة
وتتواجد قوات أمريكية إلى جانب قوات من دول التحالف الدولي والمعارضة المسلحة في قاعدة التنف السورية على المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني؛ وتفرض الولايات المتحدة إقامة منطقة “عدم اشتباك” لا تسمح بموجبها لأي قوات تابعة لتحالف قوات النظام بالاقتراب منها أو الدخول اليها.
كما تتواجد قوات أمريكية في معسكرات عدة في محافظة الرقة لدعم العمليات القتالية لقوات سوريا الديمقراطية التي كانت تقاتل لاستعادة مدينة الرقة من تنظيم الدولة؛ وتستخدم القوات الأمريكية مدفعية من مختلف الأنواع وراجمات الصواريخ ومعدات قتالية ثقيلة أخرى ومختلف أنواع المركبات المخصصة للأغراض الاستخباراتية ومركبات مدرعة لتسيير دوريات مشتركة مع قوات سوريا الديمقراطية.
كما تتواجد قوات أمريكية على شكل مستشارين لأغراض التدريب على الأقل في ثلاث معسكرات تدريب في محافظة الحسكة لتدريب المقاتلين الأكراد وكذلك بالقرب من مدينة منبج شمال حلب التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية منذ أغسطس/آب 2016 
 
مهام وأهداف التواجد الأمريكي في سوريا:
تضطلع القواعد الأمريكية بمهام متعددة فيما يتعلق بالعمليات القتالية لقوات التحالف الدولي والقوات الحليفة مثل القوات الكردية أو فصائل المعارضة المسلحة المعتدلة، كما تقوم بتقديم الدعم العسكري والامداد والتموين وخدمات اخرى؛ ويمكن لهذه القواعد أن تشكل نوعاً من التواجد العسكري الأمريكي الدائم لأهداف عدة من بينها:
  1. منع إيران من انشاء خط أو أكثر من خط تواصل بري عبر الأراضي العراقية من إيران إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط في سوريا ولبنان لحرمانها من خط الإمداد للمجموعات الشيعية المسلحة التي يمكن أن تشكل تهديداً مزدوجاً لكل من حليفي الولايات المتحدة الأردن وإسرائيل.
  2. موازنة النفوذ الروسي والتواجد الدائم على شواطئ البحر الأبيض المتوسط في القاعدة البحرية في محافظة طرطوس على الساحل السوري.
  3. خلق حالة من التوازن العسكري في الأجواء السورية بعد إقامة روسيا قاعدة جوية لها بشكل دائم في محافظة اللاذقية.
  4. تعزيز علاقات التحالف الاستراتيجي مع القوى الكردية ودعم مشروعها في الإدارة الذاتية ضمن إطار دولة سورية موحدة يحكمها نظام يرتبط بحكومة مركزية مقرها دمشق مع توزيع صلاحيات الحكم بين المركز والإدارات الذاتية أو الفيدراليات المتوقع إقرارها في أي تسوية اممية على أساس الجغرافيا.
  5. يشكل التواجد العسكري الدائم للولايات المتحدة في سوريا وفي قواعد جوية بديلاً احتياطياً عن قاعدة أنجرليك التركية ذات الأهمية في الحرب على الإرهاب فيما إذا تعمقت حدة الخلافات مع تركيا.
 
من المتوقع أن تركز الولايات المتحدة في تواجدها بشكل مكثف على مناطق جنوب شرقي سوريا. اذ يمكن لهذا التواجد أن يخفف من احتمالات فقدان الولايات المتحدة لبعض مكتسباتها في العراق وقدراتها على مواصلة الحرب على تنظيم الدولة مستقبلاً، خاصة اذا حاول الحشد الشعبي فرض سيطرته على مناطق غرب وشمال غربي العراق وهي مناطق محتملة لتواجد عناصر تنظيم الدولة في حال خسروا اخر مراكزهم الحضرية.

التواجد الأمريكي في جنوب شرقي سوريا في مناطق متصلة جغرافيا مع غرب العراق يتيح للولايات المتحدة فرصة استمرار التواصل الميداني مع الحلفاء التقليديين من العرب السنة الذين سبق أن تعاونوا معها في فترة الاحتلال، وهم بالعادة زعماء قبليين تحالفوا مع الولايات المتحدة في قتال تنظيم القاعدة من خلال مجالس الصحوات، ثم قتال تنظيم الدولة طيلة الأعوام الماضية؛ وستظل الحاجة الامريكية لهم قائمة في المدى المنظور.
 
مستقبل التواجد الأمريكي وآفاقه:

تدرك الولايات المتحدة أن تنظيم الدولة ومجموعات مسلحة قريبة منه ومن تنظيم القاعدة لن يختفوا بشكل ينهي تهديداتهم المستقبلية بعد الانتها من العمليات العسكرية في المراكز الحضرية في العراق وسوريا؛ ومما يعزز من مخاوف الولايات المتحدة والدول الأخرى احتمالات عودة مواطنيها الذين قاتلوا في مثل تلك التنظيمات أو المجموعات الموصوفة بالإرهاب والتطرف، وستركز الولايات المتحدة استراتيجيات تواجدها العسكري في سوريا وأهدافه مستقبلاً على:
 
أولاً:
تسعى بعض القيادات الامريكية في مراكز القرار لإقناع الرئيس الأمريكي لزيادة نوعية في عدد القوات الأمريكية في سوريا إلى “نحو 50 الف جنديا، على أن تكون البداية بعشرة الاف جندي يتم دعمهم من مقاتلين عرب ضمن قوات سوريا الديمقراطية”[xiii]؛ لكن أوساط البيت الأبيض والرئيس الأمريكي تبدو مترددة حتى الان في الموافقة على الاقتراح الذي تقدمت به مستشارية الأمن القومي الأمريكي، فيما تركز وزارة الدفاع على زيادة الدعم للوكلاء المحليين مثل قوات المعارضة المسلحة في جنوب شرقي سوريا وقوات سوريا الديمقراطية التي تتولى قيادة معركة استعادة الرقة وتدريب قوات إضافية وتكثيف الدعم الجوي باستخدام أوسع للطائرات المروحية المقاتلة.
 
ثانياً:
يتقدم هدف القضاء على تنظيم الدولة بشكل نهائي وتدمير أي إمكانية لظهوره أو ظهور نسخ شبيهة له من أولويات السياسات الامريكية في المنطقة؛ ومع أن القضاء على الوجود العسكري لتنظيم الدولة في المراكز الحضرية بالعراق يوشك على الانتهاء بعد استعادة ما تبقى من مدن تخضع لسيطرته مثل اقضية تلعفر والحويجة وعانه وراوة والقائم، فان القضاء على التهديدات الأمنية للتنظيم ونهاية وجوده بشكل كامل من العراق يبدو بعيداً عن الواقع في المدى الزمني المنظور طالما ظلت الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ظهوره على ذات ما كانت عليه منذ غزو العراق 2003، بل يمكن القول أن هناك تداعيات ونتائج أكثر خطورة تعزز استمرارية التنظيم في استقطاب المجندين على نطاق اضيق ومواصلة تهديداته وانتشار رقعتها إلى بلدان أخرى.
 
ثالثاً:
ستواجه الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي احتمالات جدية لتهديدات أمنية مصدرها المقاتلون الأجانب الذي عادوا أو سيعودون الى تلك البلدان بعد انتهاء الصراع في سوريا والعراق؛ ويشكل التواجد الأمريكي في البلدين والسعي لاستمراره في المرحلة التي تلي الانتهاء من العمليات القتالية ضد تنظيم الدولة جزءاً من الاستراتيجية الغربية للبقاء في المنطقة بشكل مباشر ومواصلة التصدي لاحتمالات نمو التنظيم وعودته مرة أخرى؛ أو نشوء تنظيمات شبيهة في مرحلة لاحقة.
 
رابعاً:
سيكون على الولايات المتحدة نشر عشرات الاف الجنود الأمريكيين في العراق بعد الانتهاء من استعادة كافة المدن العراقية من سيطرة التنظيم لفرض الأمن والسيطرة على الطرق الرئيسية التي ترتبط بمناطق صحراوية شمال غربي وغرب العراق في محافظتي نينوى والأنبار وكذلك في محافظتي صلاح الدين وديالى حيث من المتوقع أن ينشر تنظيم الدولة مجموعات مسلحة صغيرة مستغلاً الطبيعة الجغرافية في مناطق جبال مكحول وحمرين وكذلك في آلاف القرى المتفرقة المنتشرة على مساحات كبيرة.
 
خامساً:
سيكون على الولايات المتحدة نشر أعداد أقل في سوريا من جنودها لأسباب تتعلق بمراقبة نشاطات ما قد يتبقى من عناصر تنظيم الدولة بعد الانتهاء من معركتي الرقة ودير الزور لمنع عودة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم الاوربية؛ وستظل حاجة فصائل المعارضة المسلحة المعتدلة إلى الوجود الأمريكي في مرحلة لاحقة حتى بعد اتفاقيات التهدئة وخفض التصعيد مع قوات النظام لأغراض تتعلق بفرض التسوية النهائية للحرب السورية ومنع التمدد للقوى الحليفة لإيران على الحدود مع كل من الأردن والجولان الذي تحتله إسرائيل.
 
سادساً:
ستظل حاجة القوى الكردية لقوات أمريكية في سوريا إلى جانبها لتأطير مشروع الإدارة الذاتية في اطار حكم لا مركزي لا تعترض عليه الولايات المتحدة التي تعول كثيراً على تحالفها مع القوى الكردية مستقبلا ًلفرض نفوذها في شمال وشمال شرقي سوريا للحد من الهيمنة الإيرانية والنفوذ الروسي في سوريا.
 
الهوامش:
 
[i] جنود القوات الخاصة الأمريكية “قريبا جدا” في سوريا، إذاعة المانيا الدولية، 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، انظر الرابط.
[ii] أمريكا ترسل 200 جندي إضافي إلى سوريا لدعم الحرب ضد “داعش”، إذاعة المانيا الدولية، 10 ديسمبر/كانون الأول 2016، انظرالرابط.
[iii] واشنطن تدرس نشر ألف جندي في الكويت لمحاربة داعش، جريدة الدستور الاردنية، 9 مارس/آذار 2017، انظر الرابط.
[iv] ترامب لديه خطة سرية في سوريا على مرحلتي 30 يوما و3 أشهر، روسيا اليوم، 27 ديسمبر/كانون الأول 2017، انظر الرابط.
[v] البنتاغون يسلم ترامب خطته الجديدة لتدمير “داعش”، روسيا اليوم، 27 فبراير/شباط 2017، انظر الرابط.
[vi] ترامب: لن نذهب إلى سورية ولكن، الحرة، 12 أبريل/نيسان 2017، انظر الرابط.
[vii] واشنطن تزود لأول مرة قوات سوريا الديمقراطية بالمدرعات، روسيا اليوم، 31 يناير/كانون الثاني 2017، انظر الرابط.
[viii] الولايات المتحدة تقرر تسليح مقاتلين أكراد في سوريا، بي بي سي العربية، 10 أيار/مايو 2017، انظر الرابط.
[ix] أمريكا طلبت من تركيا إرسال 80 ألف جندي لمحاربة تنظيم الدولة في الرقة، اخبار السوريين، 20 يوليو/تموز 2017، انظر الرابط.
[x] الوجود العسكري الأمريكي والروسي في سوريا، وكالة الاناضول، 10 أيار/مايو 2017، انظر الرابط.
[xi] قاعدة أمريكية جديده في عين العرب ـ كوباني ـ وأردوغان يعترض عليها ؟، مركز الصياد، 16 أكتوبر/تشرين الأول 2016، انظرالرابط.
[xii] أسرار القاعدة الأمريكية “السرية” في سوريا، وكالة سبوتنيك العربية، 19 يوليو/تموز 2017، انظر الرابط.
[xiii] أنباء عن إرسال 50 ألف جندي أمريكي إلى سوريا لقتال «الدولة الإسلامية»، الخليج الجديد، 16 أبريل/نيسان 2017، انظرالرابط.
http://alaalam.org/ar/politics-ar/syria-ar/item/download/126_4cd91894049288d3d3842ca90a911e1c
معهد العالم للدراسات

باحث ومحلل سياسي عراقي
مشاركة