الأكراد في سورية: ليس بالبندقيّة وحدها

38

نزار آغري

حين بدأ حزب العمال الكردستاني صراعه المسلح ضد الدولة التركية، انتبه الجميع إلى شيء لم يكن معروفاً من قبل: أن هناك أكراداً في تركيا. لا، ليسوا مجرد حفنة من مجموعة عرقية ضائعة بل شعب طويل عريض يقارب العشرين مليوناً، وأنهم محرومون من أساسيات العيش سياسياً وثقافياً ولغوياً وقومياً واقتصادياً واجتماعياً.
اكتشف الناس أن أشهر الروائيين والمخرجين السينمائيين وممثلي السينما والمغنين والرسامين في تركيا هم أكراد. عرف الناس ياشار كمال ويلماز غوناي وأحمد عارف وإبراهيم تاتليسس وبرهان جاجان وسيبيل جان وأحمد كايا وفرهاد تونج الخ…
ومن مفارقات التاريخ أن واضع الأسس النظرية واللغوية للنزعة القومية التركية هو الكردي غوك ألب. كما أن من هيأ الأرضية للنزعة الدينية التي ستصبح لاحقاً من ممهدات صعود نجم الدين أربكان ومن ثم رجب طيب أردوغان هو الكردي سعيد النورسي.
هذا هو حال الأكراد في سورية. لم يكن أحد، تقريباً، يعرف أن ثمة أكراداً في سورية. برزت حقيقة وجودهم على نطاق واسع، للمرة الأولى، حين اندلع ما سمي بانتفاضة القامشلي عام ٢٠٠٤. آنذاك وقعت صدامات بين جمهور غص بهم ملعب كرة القدم ورجال الشرطة السوريين الذي أطلقوا الرصاص الحي على الحشود التي أطلقت هتافات مناهضة للسلطة. انتلقت المواجهات إلى شوارع المدينة وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى وأسقط، للمرة الأولى في سورية كلها، تمثال الرئيس حافظ الأسد.
إلا أن ما كرس الحضور الكردي وجعله يترسخ في الأذهان بقوة أكبر كان اقتحام «داعش» مدينة كوباني الكردية والمقاومة الأسطورية التي أبداها المقاتلون الأكراد، وعلى وجه الخصوص المقاتلات اللواتي سطرن ملاحم حقيقية في الشجاعة. هذه وتلك جعلتا الأنظار تلتفت إلى الوجود الكردي في سورية، الذي كان مهمشاً ومهملاً ومنسياً إلى أبعد حد.
الآن يعرف المرء أن الأكراد يشكلون قطاعاً واسعاً من النسيج المجتمعي السوري، وأن حضورهم في الخريطة السورية من الضخامة والثقل والأهمية بحيث لم يعد في الإمكان إغفاله أو القفز فوقه.
ولقد بدأ الاهتمام بهذا الحضور يكتسي طابع الشوق إلى التعرف إليهم والتمعن في أفعالهم ومساهماتهم وما بذلوه في سبيل سورية ماضياً وحاضراً، وفي سائر الشؤون.
وحين يعود المرء إلى الوراء في تاريخ الدولة السورية الحديثة، يكتشف أن الأكراد لعبوا أدواراً كثيرة وكبيرة في صياغة ملامح الكيان السوري الذي نهض بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية ومن ثم قيام الدولة السورية في أثر انقضاء الإنتداب الفرنسي. وكانت لهم حصة في تقريب أجل الانتداب عبر التمرد الذي قاده إبراهيم هنانو في جبل الزاوية وانتفاضات محلية في أكثر من زاوية وركن قادها أكراد من آل البارافي والدقوري وحاجو والمللي وسواهم.
ثم تسنمت شخصيات كردية مواقع في السياسة والثقافة والاجتماع لا يمكن لمسطّر التاريخ السوري غض النظر عنها. وتزينت الفضاءات السورية بأسماء مثل كاميران بدرخان، جلادت بدرخان، جكرخوين، الزعيم، البرازي، بكداش، الأيوبي، ظاظا، بوظو، آل رشي، عيسى عبد الكريم، وغيرهم.
وكما في تركيا كذلك في سورية، كان للكردي محمد كرد علي إسهام وازن في التمهيد للفكر العروبي والإيديولوجيا العروبية المنتفخة. كما لعب الكردي سعيد رمضان البوطي، ومعه أحمد كفتارو، أدواراً في تأليف الغطاء الديني الذرائعي، السنّي، للسلطة الحاكمة.
والآن، فيما يجول حزب «الاتحاد الديموقراطي الكردي» ويصول في ساحات الوغى، ويشكل حجر رحى كبيراً في حسابات الروس والأميركيين والأوروبيين والنظام السوري وتركيا، ما بين مشجع ومندد، فإن هناك، في الساحة الخلفية، أكراداً يساهمون بصمت في نسج سجادة المجتمع السوري القادم. لا يحملون بنادق ولا يتقافزون بين الخنادق والجبهات. هم أفئدة وعقول ومواهب، في الثقافة والفكر والأدب والمسرح والرسم والسينما والرياضة. هم، كغيرهم، من كفاءات سورية، حاضر هذا الكيان ومستقبله. لا غنى عنهم، ولا يمكن إغفال صنيع سليم بركات، بشار العيسى، عمر حمدي، زهير حسيب، خليل عبدالقادر، بهرام حاجو، وجدان ديركي، لقمان ديركي، حسين بن حمزة، أحمد عمر، رستم محمود، جان دوست، هوشنك أوسي، حليم يوسف، طه خليل، مانو خليل، عارف حمزة، خضر الآغا، جولان حاجي، هيثم حسين، نيروز مالك، شورش درويش، داريوس درويش، عبدالباسط سيدا، وسواهم…
الآن، حين يطالب العالم كله بأهمية أن يكون هناك حل للمسألة الكردية في تركيا، فليس في الأمر إنحياز لحزب العمال الكردستاني، بل اصطفاف إلى جانب بديهة بسيطة وجلية: أن بلداً يهمل جزءاً ضخماً من شعبه هو بلد مريض آيل للسقوط عاجلاً أم آجلاً.
الدرس نفسه يتكرر في سورية. وغداً سيتكرر في إيران. وكان العراق، وما زال، يحاول أن يحفظ هذا الدرس عن ظهر قلب.

* كاتب كردي سوري.

“الحياة”

مشاركة