افتتاحية موقع حزب الشعب الديمقراطي السوري: المد الإسلامي محمولًا على براميل الغاز

305

 

المد الإسلامي الذي جاء محمولًا على براميل البترول في أواخر عقد ستينيات القرن الماضي على حد تعبير المرحوم ياسين الحافظ، كان ظاهرة واضحة الدلالات لا تستعصي على اسكتناه دوافعها، فأمراء البترول يقضّ مضجعهم الخطاب القوميّ الاشتراكيّ الذي كان سائدًا آنذاك -على الأقل-؛ لأن أصحابه يستعلون عليهم، وينعتونهم دائما بنعت الرجعيين، والمتخلفين، والعملاء للإمبريالية.

وبعيدًا عن مدى استحقاق المنعوت تلك الصفات، وعن مدى استحقاق الناعت تفوقه المدّعى، فإن ما يمكن تأكيده أن الأيديولوجيا التي امتطت براميل البترول كانت أشد بأسًا وقدرة على إلحاق الهزيمة بالأيديولوجيا الخصم.

مصر عبد الناصر والسعودية كانا خصمين جديرين بالتنافس على احتلال موقع الصدارة، فهما بلدان كبيران لدى كلّ واحد منهما من المقومات ما يؤهله للتصدي لموضع مركز الثقل، وما تملكه مصر من مقومات حضارية تعوضه السعودية برمزيتها الدينية، وبادّعاء حمل راية الحق وتطبيق شرع السماء.

نصف قرن تقريبًا مضت منذ قدوم المدّ الإسلامي مدعومًا بحلفائه النفطيين مرت فيها مياه كثيرة تحت الجسر، وتخلّل العلاقة بين الداعمين والمدعومين علاقات مد وجزر، وحدثت صدامات دموية مأساوية بين الإسلاميين والأنظمة التي تدعي العلمانية، وعصفت بالعالم تغيرات كبرى، غيرت مفاهيم الزمان والمكان، وكرست اقتصاد السوق الحر والفكر الليبرالي ودفعت بالتيار الاشتراكي إلى خارج التاريخ، حتى أصبح بعض من يتبنونه لا يستسيغون التصريح بانتمائهم إلى هذه الأيديولوجيا المهزومة.

سادت ثقافة الصورة التي لا تقبل الثبات، وأصبح الدفاع عن الهوية -حرصًا على مناحرة التغيير الذي لا يتوقف- يجسده نكوص إلى أكثر الأشكال أرثوذكسية من التراث، وأطلق على هذا الالتجاء إلى مستودع التراث اسم الصحوة الدينية في نوع من خداع الذات الجزعة من المد الجارف الذي يهدد بابتلاعها.

وهيمن التصغير في التكنولوجيا وفي المؤسسات الاقتصادية، وقد فرض بسبب هيمنة الكيان السياسي الأكبر الذي يتبناه أنموذجه فتشظى المدّ الإسلامي إلى جماعات متناثرة هنا وهناك، كلما استهدفت في مكان زاد انتثارها وتشظيها.

الساحة السورية التي فرض نظامها” العلماني” مع شعبه مواجهة دموية كانت بطبيعة الحال جاذبة لأجزاء من هذا المد -الذي أخذ أكثر أشكاله تطرفًا-  ليؤدي المنضوون فيه فريضة الجهاد ضد الكفر، ولكنه هذه المرة جاء مدًا منسلخًا عن كل الحمولة الفكرية لسلفه، ما عدا قواسم قليلة مشتركة يفرضها الانتماء العقدي الواحد، إضافة إلى أنه هذه المرة قد جاء محمولًا على براميل الغاز.

دولة كبيرة استهلّت دعمه في القرن الماضي في مواجهة دولة كبرى، وقد تشظي اليوم وهو يُمد بأسباب الحياة من كيان صغير ربما يمثل بمقارنته بالداعم القديم تجسيدًا للتصغير الذي تحدثنا عنه.

كانت الظاهرة التي التقطها ياسين الحافظ بحسّ مرهف واضحة الدلالة، سهلٌ اكتشاف دوافعها، أما اليوم فإن المرء يحار في تفسير لغز هذا الكيان الصغير، ودوره الذي يفوق حجمه بأضعاف، وكشف غاياته البعيدة.

ويضاف الى الحيرة شعور القهر عندما ترى ثمن استرداد متفكهين ذاهبين للصيد، تنفيذًا لمشروع التغيير الديموغرافي في سورية في صفقة تكشف بكل صفاقة كم هي تضحيات السوريين رخيصة لدى من يفترض أنه داعمها الأول.

براميل البترول وحمولتها كانت -على الرغم من كل فواتها، وانتهازيتها- أقل قسوة، وانتهازية، واستخفافًا بالدماء من براميل الغاز وحمولتها.

رئيس التحرير

مشاركة