افتتاحية موقع حزب الشعب الديمقراطي السوري: الحلول البائسة والحلول القاصرة

217

للمفاهيم شحنات أيديولوجية تكتسبها بفعل السياق التاريخي الذي نشأت فيه، وإغفال وجودها بعدّ المفاهيم مجردات متعالية على السياقات يجعلها مفصولة عن الواقع مهما حاول متبنّوها قسرها على الاتصال به.
ومن هنا فإن مقتل الليبرالية كان ولا يزال كامنًا في كثير من تنويعاتها في نخبويتها التي رافقت تشكل مفاهيمها في السياق الغربي، ومقتل الديموقراطية هو ارتباطها بالليبرالية غير المفصولة عن هذا البعد.
والمشكلة أن خصوم الديموقراطية من اليسار السوري العتيق -قبل أن يحصل الاقتناع بضرورتها لدى قسم من هذا اليسار- كانوا يبررون خصومتهم لها بكونها غطاء لمصالح خصمهم اللدود البرجوازية القذرة.
والحقيقة أن عداءهم لها لم يكن نابعًا من فهم عميق لما ذكرناه من ارتباطها بالليبرالية النخبوية، وإنما من موقف أملته جذور اجتماعية تدفع إلى تبني الصراع الطبقي تنفيسًا عن أحقاد، ورفض كل ما عداه من مقولات لا تلبي هذا الدافع الاضطراري النفسيّ العميق.
وبالمقابل لم يستطع رواد التبشير بالديموقراطية من اليساريين العقلاء أن يفكّوا الارتباط بين الديموقراطية وبين الليبرالية الموسومة بالنخبوية؛ الأمر الذي جعل تسلل شبهة المنتقدين سهلًا.
وظل هؤلاء الرواد يتحدثون عن طليعة ثورية في محاكاة للنخبوية الليبرالية نظنه غير واعٍ لخطورتها وتناقضها مع جوهر الديموقراطية.
والمفارقة أن خصومهم من المصرين على إعلان الحرب على الديموقراطية والليبرالية انطلاقًا من مفهوم الصراع الطبقي لم يكونوا أقل نخبوية بإعلانهم الاستعلاء على معتقدات الناس في مجتمعهم وعدّهم إياها أوهامًا وأساطير لا بد من تنقية العقول منها للشروع في ولوج عالم الحداثة.
ومن ضمن مظاهر استعلائهم غير المستند إلى موقف معرفي حقيقي محاربتهم لمناسبات دينية للأكثرية بدعوى أنها من موروثات منظومة متخلفة، ومشاركتهم في مناسبات دينية لأبناء أديان أخرى بدافع الشعور العميق بالنقص الذي يستولي على نفوسهم.
ولكن التعبير عن العداء للمعتقدات المتلطّي خلف مقولات علمية مبتسرة لم يكن في حقيقته إلا نوعًا من أنواع العداء الطائفي لمعتقدات الأكثرية يحاول أن يجمّل نفسه بارتداء قناع حداثوي مستورد.
فانتقاد المعتقدات والطقوس والأزياء المحافظة سيكون موضع قبول نسبي إذا لم يصدر من موقع طائفيّ محض -هو الأصل في هذا الانتقاد-، وتَمترسَ خلف مقولات أيديولوجية لا تعدم جاذبيتها لدى الكثيرين.
كان قسم من هذا اليسار المنتقد للديموقراطية ولوازمها يطلق على الراحل الياس مرقص بسبب تبشيره بالديموقراطية لقب: “اليأس يرقص” في سخرية مرة من توجهه الديموقراطي.
وكان الياس ورفيق دربه ياسين الحافظ -وهما رائدا العقلانية في الفكر القومي- غافلين عن ارتباط الديموقراطية التي يبشران بها بالليبرالية ببعدها النخبوي، وعن ضرورة فك هذا الارتباط بين الديموقراطية وبين الليبرالية بسمتها النخبوية، بل لعل غفلتهما عن هذا قد جعلت الحمولة النخبوية تصبغ دعوتهما إلى الديموقراطية بتبنيهما مفهوم الطليعة الثورية الذي يمثل شكلًا من أشكال النخبوية.
كان الاستعلاء كامنًا في الموقفين بدافع طائفي في أحدهما، وبقصور في استيعاب المنظومة التراثية وغفلة عن إدراك الحمولات الأيديولوجية للمفاهيم المستوردة في الثاني.
إن هويتنا التي ندأب للبحث عنها لم تكن لتتمنّع عن الصياغة المواكبة لظروفنا لو لم تكن الحلول المطروحة شبيهة بالحلين اللذين أتينا على ذكرهما، وهما حلان لا يمكن ادعاء تساويهما في القيمة المعرفية والسياسية، ولكنهما مسكونان إما بنكوص إلى انتماءات قبل وطنية، أو باندفاع نحو قيم حداثية بشكل غير مستوعب كما ينبغي لمفردات البيئة المحلية وظروفها وشروطها.
رئيس التحرير

مشاركة