افتتاحية موقع حزب الشعب الديمقراطي السوري: حلب الطاهرة ليست موطنًا للعهر والحقد

290

عام 1859 ظهر في حلب كتاب يتحدث عن عقيدة الطائفة النصيرية لمؤلفه المدعو سليمان الأذني، وهو رجل من أهالي أنطاكية تثير الاستغراب كثرة تقلباته، فقد كان من أتباع الطائفة، ثم تحول إلى اليهودية، ثم أصبح مسلمًا سنيًا، ثم صار مسيحيًا، واغتيل بعد ذلك في ظروف غامضة لم تكشف حيثياتها.
يصف الكتاب معتقدًا باطنيًا ساذجًا يقوم على ركن أساسي هو أن علي بن أبي طالب هو معنى الألوهية المستتر، وأن محمدًا حجاب يحتجب خلفه ذلك المعنى، وأن سلمان الفارسي باب محمد وحامل كتابه.
ويؤكد الكاتب أن الطائفة لم تكن تقبل ضمن صفوفها من ليس عجميًا؛ بسبب الاعتقاد أن العجم يؤمنون مثل أبناء الطائفة بألوهية علي.
عام 2016 قدمت عمائم سوداء إلى حلب وهي لا تعرض فكرًا، وإنما تتمترس بسلاح متنوع الأشكال مكّنها أن تتمطى على أنقاض المدينة العريقة بعد أن أتى سلاحها على بنيانها من القواعد.
في تسعينيات القرن الماضي، وبعد انهيار العملاق السوفياتي انتشرت في حلب ظاهرة سرعان ما طردت، هي ظاهرة بائعات الهوى الروسيات، اللواتي رمزن إلى انحطاط أخلاقي غير مسبوق، عبّر عن استغراب شديد منه كثير ممن لا يجدون ضيرًا في بيع المرأة جسدها.
عام 2016 قدمت إلى حلب قوات روسية مندفعة بقوة الغريزة الدينية والقومية العمياء لاستعادة الأمجاد، عبر أجساد الأطفال والشيوخ والنساء في حلب.
بين هذه التواريخ كان رجالات حلب العظماء في خمسينيات القرن الماضي يصنعون تاريخ سورية الحديثة الديموقراطية المزدهرة عبر برامج أحزابهم الوطنية السياسية والاقتصادية، ويصنعون منها رقمًا صعبًا في المحيطين الإقليمي والدولي.
وبين هذه التواريخ أيضًا كانت ابتهالات الصالحين من صوفية الشاذلية في مسجد العادلية في حلب تعانق السماء في رباط روحي لا يعرفه إلا من ذاقه، وصارت حلب بالنسبة إليه موطن السكينة والصفاء، ومهوى الفؤاد النقي لعاشق المطلق.
لم يستطع كتاب سليمان الأذني أن يتغلغل بمعتقداته الباطنية المنحرفة عندما حاول؛ لأن محل محاولاته كان بنية شديدة التماسك، قادرة على تهميش الدخيل عليها من دون جهد. (ليس المقصود مهاجمة معتقد شريحة ما فالدولة الوطنية التي نصبو إليها دولة لكل السوريين على اختلاف معتقداتهم وتنوع طوائفهم ولكن ما يرتكبه نظام الإجرام من موبقات بتأييد من الأغلبية الساحقة من أفراد طائفته التي يحركها الدافع الطائفي المحض، والذي وصل إلى ارتكاب الخيانة العظمى بالتواطؤ مع المحتل لا يقل خطرًا عما مارسته وتمارسه التنظيمات السنية المتطرفة من إقصاء ودفع بالبلاد نحو المجهول، وانحراف عن القيم الحضارية للسوريين وإذا كنا نسمي الأشياء بمسمياتها فهو من قبيل الوصف الموضوعي لبنية عقدية منحرفة عن جوهر الإسلام المحمدي الذي يدين به عموم السوريين).
ولم تستطع ظاهرة العهر الروسي البالغ أقصى درجاته أن تلوث طهارة حلب؛ لأن رباط الأرض بالسماء كان لا يزال معقودًا، والترنيمات المنبعثة من قلوب العشاق الواجفة كانت لا تزال قادرة على كنس القاذورات.
بينما استطاع نظام الإجرام أن يكسر حلب في ثمانينيات القرن الماضي؛ لأنه واجه حراكًا لا يمثل المزاج العام، ولا يستوعب الروح الحلبية بعراقتها، وثرائها، وبعدها الحضاري.
وعندما عاد ذو العمامة السوداء، والذي لا يعدو كونه شكلًا أكثر تعقيدًا من الانحراف الفكري المسطور في كتاب سليمان الأذني، وهو يتحالف مع العاهر الروسي العائد أيضًا بشكل مختلف أكثر قوة وعنفًا وقبحًا، استطاعا أن يحققا نصرًا بعد أن تمكنت عقود الاستبداد الأسدي من حجب جذوة الروح الحلبية العظيمة، وإضعاف قبسها، ولم يبق في مواجهة الغزاة إلا نسخة أكثر اختزالًا وتسطيحًا للعمق الحضاري الحلبي من سابقتها في ثمانينيات القرن الماضي.
إن ما يمنّي به المأفون الفارسي، والعاهر الروسي، وتابعهما الأسدي نفوسهم من نصر نهائي، ليس إلا وهمًا صنعه عَرض تاريخي خالط الجوهر الذي لا يمكن ألا يُمسح عنه ماخالطه، فيبطل نوره ظلامهم عاجلًا غير اجل.
لا يمكن بأي منطق أن تكون مدينة من أعرق مدن التاريخ الإنساني، بكلّ ما تختزنه من عمق حضاري، أثبت قدرة على النهوض بسورية كلها مكانًا صالحًا للحقد والعهر مهما كانا مدججين بالسلاح، ومهما كانت فعالية السم الذي ينفثانه في جسدها.
رئيس التحرير

مشاركة