افتتاحية الموقع: العملاء والأغبياء، الأوغاد والضعفاء

3

يطلق على التذّرع بسيادة الدولة من قبل بعض القانونيين في المنظمات الدولية وصف ” الملاذ الأخير للأوغاد ” لأنها الشمّاعة التي تعلق عليها كل الجرائم التي ترتكبها الأنظمة المستبدة، وهي الأنظمة التي خلطت مفهوم سيادة الدولة بالسلطة المطلقة للنظام الحاكم، هذه السلطة التي اخترقت كل الفضاءات الاجتماعية وسدّت الطريق أمام قيام مجتمع مدني يحدّ من تغوّلها وحربها على المجتمع.

تشويه مفهوم السيادة الذي لا يأخذ شكله الناجز إلا إذا قام على أساس العدالة أولاً، ورضا المحكومين ثانياً يجعل التذّرع به بشكله المشوّه هذا لرفض التدخلات الخارجية لحماية الشعوب من جرائم الأنظمة غير ذي موضوع.

في المقابل يمثّل الاستقواء بالخارج من قبل معارضة استبطنت منطق السلطة لأن جسماً يعتد بوزنه منها يشكّله المهمّشون في المجتمع الحكومي الذي أسّسته السلطة وجعلته سيداً بمميزات لا يحلم بها مهمّشو هذا المجتمع وكم بالأولى أفراد المجتمع التقليدي المنبوذون أصلاً من قبل أفراد المجتمع الحكومي المحظوظين والمهمشين على السواء، يمثّل عجزاً عن الانسلاخ عن منطق السلطة هذا وإعادة إنتاج لتناقضاتها.

رفض التدخل الخارجي من قبل المتذرعين بالسيادة من المعارضة “الوطنية” بحسب وصف النظام، والاستقواء به بدون إطار نظري يدرس الكلف والمآلات والمنافع من هذا التدخل من قبل المعارضة الجذرية للنظام تركا الساحة السورية نهباً لشذاذ الآفاق الذين جلبهم النظام من شتى الأصقاع.

 

حاجات الناس المستبعدين عن مكاسب السلطة المستبدة والذين يمثّلون المجتمع الموازي للمجتمع الحكومي، والمهيمن عليه من قبل الأخير لا تلقي بالاً للمعرفة التي تنتجها النخب إذا لم تقم بتلبيتها.

فهي غير معنية بشعارات رفض التدخل الخارجي، ولا بغيره من الشعارات التي ترفع على أنها ثوابت لا يطالها التغيير، وإنما معنيّة فقط بما يلبّي حاجاتها المتغيرة بوتيرة أسرع بكثير من قدرة هذه المعرفة التي تنتجها النخب على مجاراتها.

لأجل هذا وإذا كنا نريد أن نعرف شرعية التدخل العسكري في سورية من قبل قوات غربية أوغير غربية، فإن علينا أن نتوجه بالسؤال لا إلى الأوغاد الذين مسخوا مفهوم السيادة، ولا إلى المعارضة التي ترفع العقيرة ليل نهار مطالبة به، هذا أولاً، وثانياً أن نكفّ عن استعلائنا على عموم الناس الذين يمثّلون المجتمع التقليدي _غير الحكومي -من غير منتجي المعرفة محاولين فرض التغيير عليهم عن طريق ثوابت معرفة قديمة من الواضح أنها تسير خلف حاجات الناس بسرعة السلحفاة.

حاجات الناس هي روافع التغيير وخصوصاَ عند العجز عن إنتاج معرفة جديدة من قبل النخب، ولأجل هذا كان جوراً وعجرفة تصنيف الموافقين على التدخل في أحد صنفين أغبياء أو عملاء.

فإذا كان جواب أفراد هذا المجتمع التقليدي بالموافقة وكان ثمّة إصرار على تصنيفهم في إحدى هاتين الخانتين فلنعترف اذن أن الناس أغبياء ولنبحث عن طرق لرفع مستوى ذكائهم، وإذا اعتبرناهم عملاء فلنسأل ما الذي أوصل عموم الناس _ الذين يفترض في الحالة الطبيعية أنهم بعيدون جداً عن العمالة على اعتبار أن الأخيرة ليست حالة طبيعية _ ما الذي أوصلهم إلى هذه المرحلة وما الذي مسخ وطنيتهم ولنطالب عندها بإزالة المتسبّب في مسخها.

هؤلاء العملاء والأغبياء بحسب تصنيف رافضي التدخل يقصفون اليوم في مخيمات اللجوء من قبل حليف النظام الروسي الذي لا يبقي ولا يذر، ويستخدمون أداة للضغط على أوربا من قبل حليف المعارضة الذي يهدد بإغراقها باللاجئين وهو الحليف الأكثر إخلاصاً في نظر المستقوين بالخارج.

هؤلاء العملاء والأغبياء يغرقون مع أطفالهم في البحر وهم يمخرون عبابه بحثاً عن بصيص أمل في الاحتماء بسقف لا يسقط على رؤوسهم لأن الأشقاء العرب لا يستقبلونهم ولكنهم يستثمرون مأساتهم فقط عندما تهدد مصالحهم من قبل عدو إقليمي.

هؤلاء العملاء والأغبياء مثلهم أيلان الطفل الكردي الذي جسد وهو يحدق نحو الداخل ميتا على شاطئ البحر أنه لم يعد ثمة إلا الخارج، ولكنه ليس الخارج الذي يتبارى الأوغاد والضعفاء في دفعه وجذبه، وإنما هو الخارج الذي يتماهى مع الإنسانية التي لم يعد ثمة ملجأ غيرها في ظل القذارة المحيطة بنا من كل مكان.

رئيس التحرير

مشاركة