استقالت المحققة كارلا ديل بونتي ، ثقتها في مؤسسات الأمم المتحدة مكسورة. وهذا يدل مرة أخرى على أن مجرمي الحرب سيفلتون من العقاب.

26

اندريا باكهاوس
ترجمة محمد علي الترك

العديد من التقارير من سوريا تبدو جيدة للغاية في الوقت الراهن: مئات الآلاف من الناس يعودون إلى أماكن إقامتهم السابقة، والبعض يعيد مرة أخرى بناء أبنية دمرت مثل مركز المدينة القديمة في حلب. أو هناك أخبار عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين القوات الحكومية والمعارضة في محافظة حمص . وهناك أيضا عودة عشرات من المهاجرين إلى حمص. مصطلحات مثل وقف إطلاق النار، ومناطق تخفيف التصعيد ومناطق حظر الطيران يجري تناقلها من خلال الشبكات الاجتماعية. ويبث التلفزيون الرسمي للنظام السوري صورا لزعيم دولة مسترخي يبتسم ، على سبيل المثال، في مدينة حماة المعارضة سابقاُ يوحي أنه قريب جدا من الناس ومن الشباب. فهل فعلآ كل شيء على ما يرام في سوريا؟ لا على الإطلاق.

منذ ستة سنوات تدور في سورية حرب أهلية، سقط خلالها مئات الآلاف من القتلى وهجر أحد عشر مليون إنسان.
يقف بشار الأسد على رأس نظام مجرم يقود حرب إبادة ضد شعبه. قام الأسد ومساندية ،مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بقصف مدن مثل حلب بالقنابل وحولوها إلى خراب، وقاموا بمحى قلب المدينة ،العاصمة التجارية التي كانت مزدهرة سابقاُ، على مرأى من أعين العالم. يستخدم النظام التجويع كسلاح في الحرب ويسقط البراميل المتفجرة والقنابل العنقودية على مناطق المعارضة – حتى هذا اليوم. غالبا ما يستهدفونُ مرافق إنسانية محددة مثل المستشفيات والمدارس والمنازل. وعلاوة على ذلك، وهذا هو الأرجح ، يستخدم الأسد الأسلحة الكيميائية. أيضاٌ المعارضة المسلحة ترتكب جرائم: الدولة الإسلامية والجماعات الإسلامية الأخرى تخطف وتعذب مدنيين ،تسلب شاحنات المساعدات، وتنشر الخوف والرعب.

على هذه الخلفية، فإن هذه التقاريررسائل الإيجابية من المفترض أن تكون مثيرة للقلق. لأنها تعطي فكرة:أن الأسد ودعاة حربه، وهم المسؤولون عن معظم الدمار في سوريا سوف يبقون دون عقاب. في الأسابيع الأخيرة،و دون أن يلاحظ أحد تقريبا من قبل الجمهور الغربي،يقوم ألأسد بتقديم نفسه على أنه قائد الدولة الشرعي المفترض. ويسيطر الآن على أجزاء كبيرة من سوريا مرة أخرى. الظاهر أن الأسد يراهن على أن الغرب سوف يتغاضى عن جرائمه. وللأسف يبدو أن تقديره صحيح .
الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون أعلن مؤخرا أن انسحاب الأسد ليس شرطا لمفاوضات السلام في سوريا. وحتى الرئيس الامريكي دونالد ترامب في توجهه ( الغير واضح جدا) تراجع مرة أخرى عن فكرة ضرورة التخلص من الأسد.

لا عدالة لسوريا
حين تعلن المحققة الدولية بشأن سوريا كارلا ديل بونتي استقالتها من لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا، فإنها تؤكد فكرة أن الأسد سوف يسلم من العقاب. استقالت ديل بونتي بسبب الإحباط – الاحباط بسبب العجز الذي عاشته كمحققة والإحباط بسبب عجز مجلس الأمن الدولي عن تنفيذ قرارات . طالما مجلس الأمن للأمم المتحدة عاجز عن إقامة محكمة خاصة بجرائم الحرب في سوريا، فإن تقاريرها لا معنى لها. “أنا اتخلي، الدول الأعضاء في مجلس الأمن لا يريدون العدالة”، هذا ما قالته.

شىء لا يطاق ، عجز مجلس الأمن المثبت وعدم قدرته على القيام بدوره في الحالة السورية. مرارا وتكرارا تجاوز الأسد والأطراف الأخرى المتحاربة خطوط حمراء مرسومة سابقا وارتكبوا جرائم ضد الإنسانية. لا حاجة لأن يخشى أحد الآثار المترتبة عليه من خلال مجلس الأمن للأمم المتحدة ،لأن روسيا حريصة على استخدام حق النقض نصرة للأسد. مرارا وتكرارا جلس هناك أقوى الدول في مواجهة بعضها البعض. السفير البريطاني ماثيو رايكروفت يقول: روسيا تنشر الرعب ، والسفيرة الأمريكية السابقة سامانثا باور ثاروا تندد بالبربرية التي ترتكب في سوريا. باستثناء روسيا (والصين) اتفق الجميع على أن الأسد هو مجرم حرب ويجب محاكمته. بعد ذلك حدث دائما نفس الشيء: لا شيء. اجتماعات مجلس الأمن أصبحت مهزلة. لم يجري هناك تجديد وقف إطلاق النار المتفق عليه ولم تنفذ اقامة مناطق حظر الطيران، وحتى الإعلانات المشتركة لم يجري التوقيع عليها.

دولة الفيتو ترتكب جرائم حرب
استقالة ديل بونتي يظهر عياناً مرة أخرى مدى فشل مؤسسات المجتمع الدولي في سوريا. ولاحتى الامم المتحدة تحوز على الدعم السياسي الكافي لمحاسبة المسؤولين أمام العدالة،إذا تركنا بعيداُ التهديدات الفارغة. يتعين على مجلس الأمن الدولي أن يسأل نفسه ما هي الفاائدة لديه إذا كان عضوا مثل روسيا، وهو من الثابت ضلوعة في جرائم حرب، يستخدم حق الفيتو لمنع معاقبة الفاعلين. ويتعين على زعماء أوروبا أن يسألوا أنفسهم ما إذا كان حديثهم عن وضع سقف علوي للحد من اللجوء واحتجاز اللاجئين في معسكرات ليست أكثر من سخرية، نظرا لحقيقة أنهم لم يفعلوا شيئا قط لوقف الجرائم في سوريا.

وهذا الفشل للمجتمع الدولي سيصل إلينا جميعاُ. بالنسبة للعديد من المدنيين الذين عاشوا لسنوات طويلة الدمار والوحشية والذين ما زالوا يتعرضمن للقصف أو الذين يكافحون في مخيمات اللاجئين من أجل مصيرهم، هؤلء فهموا منذ مدة طويلة: أنه لن يساعدهم أحد . لا أحد سوف يقاصي أولئك الذين يتحملون المسؤولية عن معاناتهم. البعض سوف يدعمون لهذا جماعات مسلحة، وكلهم سوف يعانون طول العمر من الصدمة التي تعرضوا لها.

الحرب في سوريا لا تترك السوريين فقط مخذولين في عالم آخر وإنما تخذلنا جميعاُ

عن الألمانية دي تسايت

مشاركة