استراتيجية روسيا العسكرية في سوريا تتّضح مع انخراط قواتها في القتال

9

ممّا لا شكّ فيه أنّ روسيا تسعى إلى تحقيق أهدافٍ متعدّدة في سوريا، بعضها واضحٌ والبعض الآخر لا يزال في بداياته. ويتمثّل أحد الأهداف الواضحة بدعم نظام بشار الأسد في وَسَط سوريا الغربي، في حين تشمل الأهداف العسكرية الداعمة والحاسمة على تقليص قوى المعارضة وإلحاق الهزيمة بها، فضلاً عن إنشاء قاعدةٍ آمنة لدعم العمليات الواسعة النطاق لمدة طويلة. ويعتمد النجاح في تحقيق هذه الأهداف وغيرها على اتباع استراتيجية عسكرية فعالة وعلى التطبيق الفعال للعمليات. ويكمن دور الاستراتيجية العسكرية في تحديد حجم القوات التي سيتمّ نشرها ونوعها وطريقة استخدامها لتحقيق أهدافٍ محدّدة. ويزداد وضوح شكل الاستراتيجية العسكرية الروسية في سوريا مع استمرار التعبئة ومشاركة القوات الروسية في القتال.

حجم القوات ونوعها

نشرت روسيا قوة كبيرة – سيكون لقدرتها الضاربة وتماسكها واتجاهها آثاراً أكبر على أرض المعركة مما قد يشير إليه حجمها وحده. ولا يزال من غير الواضح ما الذي سيكون عدد القوة النهائي، في الوقت الذي تواصل فيه موسكو إدخال قدرات عسكرية جديدة إلى الوضع القائم، أبرزها القذائف الانسيابية (صواريخ “كروز”) البحرية التي ضربت أهداف المعارضة في محافظتي حلب وإدلب في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر (انظر “صواريخ “كروز” الروسية تزيد المخاطر في بحر قزوين”).

ويُعد المكوّن الجوي أكبر العناصر وأنشطها حتى الآن، فهو عبارة عن قوة مركّبة يصل فيها عدد الطائرات المقاتلة إلى أربعة وثلاثين طائرة، منها طائرات بنماذج متطوّرة، كالمقاتلات من طراز “سو- 30 أس أم/ فلانكر-سي” والمطاردات من طراز “سو-34/ فولباك”. وتشارك جميع أنواع الطائرات بنشاطٍ في العمليات القتالية، منها 12 مروحية هجومية من طراز “مي-24 هايند” متاحة لعمليات القصف، على الرغم من أنّه لم يتم حتى الآن سوى تأكيد اضطلاعها بدورٍ في حماية المهابط الجوية. بالإضافة إلى ذلك، يُستخدم عددٌ من مروحيات النقل المسلّحة من طراز “مي-8/ هيب” في مهمات البحث والإنقاذ القتالية، في حين يضمّ سلاح الاستخبارات الجوي طائراتٍ بدون طيار وجامع استخبارات الإشارات (“سيغينت”) من طراز “آي أل-22/ كوت”.

وتشمل القوات البرية الروسية ما يبدو أنّه كتيبة مشاةٍ بحرية معزَّزة (من لواء مشاة البحرية الـ 810)، مع ناقلات الجند المصفّحة (من طراز “بي تي آر-80”) ودبابات القتال الرئيسية المُرفقة (من طراز “تي-90”) ومدفعية الميدان. وقد لاحظ المسؤولون الأمريكيون أيضاً وجود منظومة قاذفة صواريخ متعدّدة من طراز “بي أم-30 سميرش” القوي. كذلك، تفيد بعض التقارير بصورة مستمرة عن تواجد القوات الروسية الخاصة في سوريا وإجرائها مجموعةً متنوّعة من المهام، غير أن تواجدها لم يتم تأكيده بعد. أمّا المكوّنات الأخرى في القوة الروسية، فتشمل صواريخ أرض جو من طراز “أس آي-22/غرايهاوند” للدفاع الجوي، وأنظمة الحرب الإلكترونية (لتشويش الإشارات)، فضلاً عن الوحدات البحرية العاملة قبالة الساحل السوري، التي ستعزّز الدفاع الجوي كما يرجح، وتوفّر الدعم في مجالي الاستخبارات والاتصالات.

ويُقال إنّ هيكل القيادة يضمّ مركز عمليات مشترك بين سوريا وروسيا في “مطار باسل الأسد الدولي” في محافظة اللاذقية، ومركز عمليات مشترك بين روسيا وإيران و «حزب الله» في دمشق، ومركز استخبارات بين روسيا وسوريا والعراق وإيران في بغداد. وفي الوقت الراهن، تهدف العمليات الروسية إلى دعم النظام والقوات المتحالفة معه («حزب الله» والميليشيات الشيعية العراقية و «فيلق الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني). ويقوم سلاح الجو السوري بالفعل بإجراء عمليات بالتزامن مع الضربات الجوية الروسية، وستشكّل قوات النظام وتلك المتحالفة معه على الأرجح عمادَ العنصر البري الرئيسي في العمليات التي تضمّ الروس. وقد انطلقت إحدى هذه العمليات في شمال محافظة حماة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.

كيف يتم استخدام القوات

بناءً على ما شوهد حتى الآن، فإنّ وجود القوات الروسية يساعد في ما يلي:

·         تحديد أولويات الضربات. يستحيل مهاجمة كافة التهديدات في جميع المواقع في وقتٍ واحد، وستتغيّر الأولوية وفقاً للوضع العسكري.

·         تقليص التهديدات ذات الأولوية العالية. تُعتبر عناصر «الجيش السوري الحر» و «جبهة النصرة» (ذراع تنظيم «القاعدة») العاملة في منطقتي إدلب وحماة أكبرَ تهديدٍ يحيق بالنظام في الوقت الحالي.

·         تعزيز قدرات النظام الهجومية والدفاعية من خلال توفير الدعم الناري للجهود المبذولة لاستعادة الأراضي التي سبق وخسرها النظام أو منْع خسارته لمواقع أساسية.

·         زيادة استنزاف قوى المعارضة من خلال شن ضرباتٍ متواصلة تستهدف الأفراد والمعدّات والبنى التحتية.

·         ردع الولايات المتحدة و/أو التحالف الدولي و/أو القوات الإسرائيلية عن التدخّل عبر نشر منظومات دفاع جوية ومنظومات جوية قوية في منطقة القاعدة الساحلية حيث تعمل الطائرات الروسية.

لقد كانت هناك مهمّتان تحضيريتان سبقتا التدخّلَ الروسي، أوّلهما إنشاء قاعدةٍ آمنة في سوريا. وقد بدأ ذلك في أوائل أيلول/ سبتمبر مع تسيير جسرٍ جوي وبحري لنقل القوات والمعدّات إلى الموانئ السورية و”مطار باسل الأسد الدولي”. أمّا المهمة الثانية، فتمثلت بإنشاء هيكل قيادةٍ لتوجيه العملية والتنسيق مع النظام والقوات المتحالفة معه.

وفي الثلاثين من أيلول/ سبتمبر، أطلق الروس العنان لعملياتهم العسكرية بشنهم ضرباتٍ جوية ضدّ الأهداف التي تشكل الأولوية، وهي بالدرجة الأولى قوات الثوار في شمال سوريا وغربها. وعلى الرغم من أنّ عددها الدقيق هو موضوعُ نقاش، إلّا أن معظم الضربات الروسية أو جميعها كانت موجّهة منذ ذلك الحين ضدّ أهداف لا تعود لـ تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية».

وبدا في أوّل الأمر أنّ الطائرات الروسية تنفذ ما بين 20 إلى 30 طلعة جوية يومياً، وربما تقصف 10 إلى 12 هدفاً. وقد أشار المسؤولون الروس إلى أنّ الجهود المبذولة في المجال الجوي ستشتدّ مع مرور الوقت. وبالفعل، ارتفع عدد الضربات الجوية في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر دعماً للهجوم على حماة ورافقها إطلاق صواريخ “كروز”. أمّا سلاح الجو التابع لنظام الأسد، فيبدو أنّه يتعاون مع الروس، فيقصف الأهداف في المناطق نفسها التي تصبّ فيها المقاتلات الروسية نار حممها.

وقد حلّق سلاح الجو الروسي حتى الآن في عدة أنواع من المهمات، ومنها:

·         توجيه الضربات التي تهدف إلى تقليص قوى المعارضة، وبنيتها التحتية ومقرّاتها ومرافق التخزين والأسلحة الثقيلة.

·         منع الثوار من التحرّك لإعادة تعزيز صفوفهم أو إعادة انتشارهم.

·         توجيه الضربات التحضيرية لدعم العمليات الهجومية المعلَّقة للنظام.

·         توجيه الضربات التي تسهتدف قوى المعارضة التي تُعدّ تهديداً هجومياً محتملاً.

·         تسيير دوريات أمنية جوية في محيط “مطار باسل الأسد الدولي”.

·         جمع المعلومات الاستخباراتية بالاعتماد على الطائرات (“سيغينت” والاستخبارات التصويرية المعروفة بمصطلح “إيمينت”).

لقد ركّزت العمليات الجوية على الأراضي الممتدّة من شمال محافظة اللاذقية، ثمّ شرقاً وصولاً إلى جنوب إدلب، وأخيراً جنوباً في محافظتَي حماة وحمص. وتُعدّ وحدات المعارضة في هذه المناطق بعضاً من أكثر الوحدات التي تقاتل الأسد قوةً، وهي مسؤولة عن استنزاف النظام إلى حدٍ كبير وإلحاق الخسائر الموقعية به. وقد حلّقت الطائرات الروسية أيضاً في مهمات أعمق في محافظة حلب، وربما كان بعضها موجّهاً ضدّ أهدافٍ لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» في محافظة الرقة.

أمّا القوات البرية الروسية في سوريا، فلا تُعدّ كبيرة أو مدججة بالسلاح الثقيل بما فيه الكفاية لتضطلع بدور قتالي كبير، ولم تشارك بعد بشكل مباشر في العمليات البرية الهامة. فقد اقتصر دورها الرئيسي حتى الآن على الدفاع عن القاعدة الروسية في “مطار باسل الأسد الدولي”. لكن، يبدو أنّها تبني قدراتها لتوفير الدعم الناري الكبير من عناصر المدفعية، وتشير تقارير المعارضة إلى أنّها ربما قد فعلت ذلك في الهجوم الذي شنه النظام على حماة. وتضطلع القوات البرية الروسية على الأرجح بأدوار أخرى أقلّ بروزاً، إلا أنها مهمة وتتمثل بوجود عناصر ومستشارين مُدمجين مع وحدات النظام، وربما أيضاً عن طريق عمليات القوات الخاصة.

وفيما يتعلّق بالعمليات البرية الخطيرة، ربما ستحتاج موسكو إلى نشر تشكيل قتالي لا يقل حجمه عن لواء، مقروناً بمدرّعات ومدفعيات كثيرة. ويواصل الجسران الجوي والبحري نقل الأفراد والمعدات، ممّا يشير بأنّ موسكو لم تنتهِ بعد من تثبيت وجودها في سوريا. ومن شأن وجود القوات الإضافية أن يسمح للروس بتوسيع عملياتهم الجوية و/أو تكثيفها، وربما بدء العمليات البرية الكبيرة. علاوةً على ذلك، يمكن أن يلعب الروس أوراقاً أخرى في الاستراتيجية الهجومية، من بينها صواريخ “كروز” إضافية وربما قاذفات بعيدة المدى.

القيود والمخاطر

يقترن حجم القوة بقيودٍ كبيرة على العمليات الروسية، على الأقل في الوقت الراهن. وتشمل هذه القيود الفضاء المحدود التي يمكن أن تحلّق فيه الطائرات (ويقتصر على “مطار باسل الأسد الدولي” و قاعدةٍ مرتَجلة للمروحيات)، وانعدام وجود ملاجئ مُدعّمة للطائرات، فضلاً عن توفّر دعمٍ لوجستي محدودٍ على ما يبدو (من الوقود والذخائر وقطع الغيار). وستحتاج موسكو إلى الاستثمار بشكلٍ أكبر في جميع هذه المجالات إذا كانت تعتزم توسيع عملياتها بشكل كبير. ومن شأن تأمين الوصول إلى مهبط رئيسي آخر – ربما القاعدة الجوية العسكرية في حماة أو قاعدة “تياس الجوية (تي-4)” شرق محافظة حمص – أن يسمح بتوسيع نطاق العمليات الجوية إلى حدٍ كبير، شريطة نشر طائرات إضافية. ويمكن أن تستفيد روسيا أيضاً من النظام اللوجستي العسكري السوري الذي يمكن أن يمدّها ببعض المعدات، لا سيما لعناصر القوة البرية. وكما تَبيّن من ضربات صواريخ “الكروز”، يمكن أن توفّر موسكو قوةً نارية طويلة المدى من خارج سوريا.

لقد ركّزت تعليقات كثيرة على المخاطر التي تعترض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريا والمشاكل التي يمكن أن تواجهها قواته. وقد شبّه البعض التدخّل الروسي بالغرق في المستنقع أو بأفغانتسان أخرى، إذ سيواجه بوتين مقاومةً متنامية من قِبَل السنّة الغاضبين. ويعتمد كلا السيناريوهين على عاملين، أوّلهما المعارضة التي تواجهها القوات الروسية الداعمة لعمليات النظام من قِبَل خصومها، وثانيهما إرادة بوتين على المثابرة. ويعتمد العامل الأول بالدرجة الأولى على كيفية استجابة خصوم الأسد للوضع الجديد، بما في ذلك مدى فعالية حشدهم للدعم الخارجي. وليس واضحاً في الوقت الحاضر مدى الدعم الذي يمكن أن يتوقّعوه. أمّا بالنسبة إلى العامل الثاني، فقد أثبتت مغامرات بوتين العسكرية الأخرى أنّه قادراً على المضي قُدماً رغم التحديات القائمة.

المحصلة

لقد نشر الرئيس الروسي قوةً قادرة للغاية في سوريا، وهو آخذٌ في توسيعها بشكلٍ مطّرد، الأمر الذي يمنح موسكو دوراً مباشراً في سير الحرب. ويمكن أن تُحدث القوات الروسية بالفعل فرقاً في ساحة المعركة، على الرغم من أنه لا يمكن استخدامها في جميع المواقع في وقت واحد، وسيعتمد نجاحها إلى حدٍ كبير على القدرات القتالية لحلفائها. وستكون آثارها أكبر إذا خصّص الروس الأولوية للمهمات الضرورية، وهذه هي الطريق التي تسلكها موسكو الآن.

وأخيراً، يبدو أنّ الجيش الروسي باقٍ في سوريا لفترةٍ طويلة. ويشير التزام روسيا من خلال قواتها ومكانتها رفيعة المستوى، والتعاظم اللوجستي والطبيعة الطويلة الأمد التي يتّسم بها التحدي العسكري، إلى أنّها ستقاتل على الأرض السورية لردحٍ من الزمن. وربما احتسبت موسكو مخاطر التدخّل ووجدتها مقبولةً.

 

جيفري وايت هو زميل للشؤون الدفاعية في معهد واشنطن وضابط كبير سابق لشؤون الإستخبارات العسكرية.

مشاركة