إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي.. القصة الكاملة: جورج صبرة

290

تناول سياسيون ومثقفون وكتاب سوريون في مواضع متفرقة نشوء إعلان دمشق في الداخل السوري عام 2005 كأوسع إطار تحالفي للمعارضة السورية حتى تاريخه. إذ ضم أطرافاً سياسية ومنظمات وشخصيات وطنية من مختلف الأديان والطوائف والمكونات الإثنية والأيديولوجية والسياسية للشعب السوري، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وعلى امتداد الجغرافيا السورية وبنيتها السكانية، غير أن هذا التناول بقي جزئياً، وذا طابع خاص ومحدود، بقدر مساهمتهم في التجربة، واطلاعهم على مجريات الأمور في بنائها والتفاصيل المرافقة، فجاء التناول انتقائياً استنسابياً، لا يعطي الصورة البانورامية للحدث، ولا التفصيلية أيضاً، ولا يغطي الوقائع والمجريات كما هي، من دون مبالغةٍ في دور، أو تظهير لفعل من دون أفعال الآخرين، أو إخراجه من سياقه. وهذا ما استوجب رواية القصة كاملة، من أجل الحقيقة والتاريخ، كوني أحد القلائل الذين واكبوا سيرورة الحدث في جميع مراحله، وشاركوا في صناعته وإطلاقه.

النشاطات والأعمال التمهيدية

نبتت فكرة هذا التحالف العريض، والشعور براهنيته على أرضية “ربيع دمشق”، ونشاطاته وفعالياته التي بدأت عام 2000، إثر وصول بشار الأسد إلى رئاسة الجمهورية بالوراثة. وقد أفرز هذا الحراك المتعدّد الأشكال مناخاً للتواصل الإيجابي بين الأطراف المعارضة، أحزاباً ومنظمات وأفراداً، وأنتج ميادين ومناسباتٍ وفرصاً للعمل المشترك من أجل التغيير الديمقراطي المنشود في حياة البلاد. تبلورت في بيانات المثقفين والاعتصامات والتجمعات الاحتجاجية والتضامنية في الساحات، وبروز ظاهرة المنتديات التي نشط فيها السياسيون وأصحاب الرأي ( من سوريين وعرب داخل البلاد وخارجها) في إثارة الحاجة لانتقال ديمقراطي، يخرج الحياة العامة في سورية من عنق الزجاجة إلى فضاء الحوار والحرية. وهذا ما استدعى تشكيل لجنة مشتركة، لتوحيد الجهود وتنسيق النشاطات الميدانية باسم “لجنة تنسيق النشاطات للقوى السياسية والمدنية”، وكانت النواة الأولى للحراك الديمقراطي المشترك، وأول العوامل التي ساهمت في تنشيط الحوار وبناء الثقة وتحقيق التوافق اللازم، للوصول إلى التحالف الذي برز بولادة الإعلان.

ضمت اللجنة ممثلين عن التجمع الوطني الديمقراطي (جورج صبرة)، ولجان إحياء المجتمع المدني (معاذ حمور)، والأحزاب الكردية (فيصل يوسف)، إضافة إلى نشطاء آخرين. تولت هذه اللجنة مهمة التنسيق بين الأطراف، وتنظيم اللقاءات والنشاطات، كالاعتصامات أمام قصر العدل، وفي ساحة عرنوس، وأمام مقرات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. ونظمت زيارات إلى ميسلون وقبر الشهيد يوسف العظمة، وأخرى إلى مواقع الثورة السورية الكبرى (1925 – 1927) في الكفر والمزرعة، وزيارة لضريح قائد الثورة سلطان باشا الأطرش في القرّيا في جبل العرب. إضافة إلى أعمال التضامن مع المعتقلين والسجناء السياسيين المتعدّدة الأشكال داخل المحاكم وخارجها.

شكلت هذه النشاطات ميداناً للاحتشاد السياسي للمعارضة، ومنبراً لإحياء الوطنية السورية، والاحتفاء بها عبر خطب وبيانات وحوارات غنية. وكان الحوار المنظم والبنّاء الذي انطلق بين الأحزاب العربية والكردية، وبين التجمع الوطني الديمقراطي ولجان إحياء المجتمع المدني، والذي أسس لولادة الإعلان، أهم ثمرات هذه المرحلة.

جاء العامل الثاني من انتفاضة الكرد في القامشلي عام 2004 ، حين قام النظام يوم 12 مارس/ آذار بمجزرة موصوفة، ذهب ضحيتها 39 قتيلاً وأكثر من 200 جريحاً، وترافق ذلك مع حملة اعتقالات واسعة، طالت حوالي ألفين من الشباب الكرد. هزت هذه الانتفاضة والوقائع المرافقة لها في محافظة الحسكة المجتمع السياسي السوري، لبشاعتها، وللمخاطر التي يمكن أن تحملها على الوضع العام للبلاد، في ظل الاحتلال الأميركي للعراق، واحتمال ارتداداته في الداخل السوري. وبمبادرة من التجمع الوطني الديمقراطي، اجتمع وفد كبير من السياسيين والمثقفين السوريين مع رئيس مكتب الأمن االقومي، محمد سعيد بخيتان، للتعبير عن الاحتجاج على ما يجري في محافظة الحسكة، والتحذير من مخاطره وتداعياته على الأمن والاستقرار في البلاد، والدعوة إلى معالجة سياسية حكيمة للأمر، غير أن الوفد عاد، بخيبةٍ مريرة، من أي أمل بالحكمة والتعقل في المعالجة، فبعد أن عبّرنا عن قلقنا ومخاوفنا، دار مع ذلك المسؤول الحوار التالي:

– لماذا أنتم قلقون بهذا الشكل؟

– عندما يصبح دم السوريين في الشوارع، هل يحق لأحد أن لا يقلق؟

– لا تقلقوا.. غداً نسلِّح العشائر، ونعيد هؤلاء “الكلاب” إلى جحورهم.

خرج المجتمعون من اللقاء بحمولةٍ من المخاوف والقلق أكبر من التي كانت معهم عند الدخول، إذ اكتشفوا، بوضوح لا لبس فيه، أن الحل عند النظام لا يتعدّى العنف العاري، حتى لو تسبب بحرب أهلية. ولذلك قرّروا السفر إلى القامشلي للتضامن مع الإخوة الكرد المستهدفين، وعدم السماح باستفرادهم، وهذا ما حصل. إذ توالت وفود النشطاء، من سياسيين ومثقفين، في التردّد على محافظة الحسكة. وتعززت بفعل ذلك أواصر العلاقة مع الأحزاب الكردية، وأثمرت توافقات واضحةً بشأن القضية الكردية في سورية، والمهام النضالية المرحلية ومستقبل البلاد. وبرزت للجميع الأهمية التاريخية لوجود برنامج مشترك، لعمل المعارضة في إطار تحالف وطني واحد.

وجاء العامل الثالث من المؤتمر السادس لحزب الشعب الديمقراطي السوري، في حمص في 30/4/2005 سراً، وأعلن عن نتائجه في دمشق مكتب المحامي خليل معتوق علناً،

وبحضور مثقفين وسياسيين سوريين كثيرين من مختلف الاتجاهات والانتماءات، إلى جانب حضور وسائل الإعلام العربية، المقروءة والمرئية والمسموعة. كان بين وثائق المؤتمر التي وزعت على الحاضرين وثيقة من ثلاث صفحات، سميت “مبادرة من أجل سورية ديمقراطية حديثة وعادلة.. تقطع مع الاستبداد”، وجاء فيها “يتوجه المؤتمر إلى المواطنين السوريين، وإلى جميع القوى السياسية التي ناضلت ضد الاستبداد، ومن أجل الديمقراطية بهذه المبادرة”. وفي إطار المضامين والأهداف، تحدثت الوثيقة عن”تفعيل مضمون هذه المبادرة، بإقامة حوار للوصول إلى برنامج مشترك لقوى المعارضة بجميع مكوناتها، يفتح الطريق أمام مؤتمر وطني، يضع الأسس للتغيير الديمقراطي”. ولأن الحزب عضو في التجمع الوطني الديمقراطي، كان من الطبيعي أن تكون المبادرة موضع نقاش في التجمع.

تمثل العامل الرابع في تلك الورقة التي حملها ميشيل كيلو وحسين العودات من زيارة إلى المغرب في صيف 2005، وكانت ثمرة لقاء بينهما وبين علي صدر الدين البيانوني وزهير سالم على هامش فعالية ثقافية. تكونت الورقة من صفحة واحدة، خالية من التاريخ والتوقيع، تضم أربع فقرات صغيرة ومكثفة، تتحدث عن الهم الوطني السوري المشترك في تلك المرحلة، وتركز على الأهمية القصوى لاعتماد برنامج موحد لقوى المعارضة من أجل النضال الديمقراطي، وبناء تحالف وطني، يكون أداة مشتركة لهذا النضال من أجل التغيير. وتأتي أهمية هذه الورقة من أنها أعلنت استعداد الإخوان المسلمين للمشاركة في هذا الجهد الوطني والمهمة المطلوبة .

في إطار الحوار المستمر والعلاقة السياسية القائمة بين التجمع الوطني الديمقراطي ولجان إحياء المجتمع المدني، أرسل ميشيل كيلو تلك الورقة المعنونة “إعلان دمشق”، والتي كانت حصيلة لقاء المغرب إلى “التجمع”، فدرستها قيادته، وقرّرت أنها لا تمثل المطلوب، وغير قادرة على جمع أطراف المعارضة، فالمطلوب مشروع وطني شامل، يستقطب الجميع، ليحقق حضورهم، ويستند إلى رؤاهم وأفكارهم. واستخلصت أنه لا بد من الاستمرار بالعمل من أجل مشروعٍ يلبي الحاجة، ويعبر عن هموم الجميع ومصالحهم وطموحاتهم.

بعد ذلك، وفي اجتماع مشترك بين الطرفين (التجمع واللجان)، في منزل حميد مرعي في المزة، سأل ميشيل كيلو عن مصير الورقة، فأفدناه بأنها لا تلبي المطلوب، وليست مؤهلة لتشكيل مشروع وطني جامع، فمن الواضح أنها أعدّت على عجل، لكنها تحتوي على أفكارٍ يمكن أن تساهم في ذلك. فسأل: هل لديكم مشروع بديل وجاهز؟ أجبنا: نعم، ويمكن أن نناقشه معكم في الاجتماع المقبل.

ولادة المشروع

كانت نشاطات ربيع دمشق وفعالياته، وأدبيات الأحزاب السياسية العربية والكردية، وبيانات المثقفين (بيان 99)، ومنظمات المجتمع المدني، الأرضية التي بني عليها المشروع، وأثمرت النص الذي أعلن باسم “إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي”. ولدت النسخة الأولى منه على طاولة التجمع الوطني الديمقراطي، وهي تلحظ اهتمام جميع الأطراف المعنية، وحرصت على تثبيت القضايا الأساسية المشتركة والمطلوبة للعمل الوطني، وأن تحتوي على المواقف الجوهرية التي تعني هذه الأطراف، وتثير اهتمامها، بحيث يشعر الجميع بحضورهم، وبالتالي بمسؤولياتهم في هذا المشروع. ونتيجة الحوارات بين الأطراف لهذا الغرض، والتعديلات والإضافات المقترحة، ظهرت خمس نسخ معدلة من المشروع، قبل أن يستقر ويثبت في نسخته السادسة والمعتمدة من الجميع. (النسخ الست محفوظة في مكان ما داخل سورية).

وبسبب الأوضاع الأمنية، وحرصاً على وصول المشروع إلى مرحلة الإشهار بشكل سلس، ومن دون مضايقات أو موانع أمنية، تمت طباعة نسخة واحدة فقط من النص النهائي، ووضعت بأمانة اثنين من قيادة “التجمع”، لتجول بين المعنيين بالاطلاع عليها، وإبداء الرأي، والحصول على الموافقة أو الاعتذار. وقد اطلع جميع المعنيين من قيادات الأحزاب والمنظمات والشخصيات الوطنية رسميا على تلك الوثيقة التي تشكل  “مشروع الإعلان” من سليمان الشمر وجورج صبرة حصراً، بشكل منفرد أو مجتمعين، وكذلك كان اطلاع المعنيين في الخارج من المصدر نفسه.

وافقت لجان إحياء المجتمع المدني على المشروع، بعد أن اطلعت عليه في مكتب المحامي حسن عبد العظيم (الناطق الرسمي باسم التجمع) عبر وفد معتبر من أعضائها، منهم ميشيل كيلو  وحسين العودات وأكرم البني وحازم نهار. وتولى ميشيل كيلو، وبقلمه، إبداء ملاحظات تكميلية وتحسينية وجدت طريقها إلى النص، إذ كان التوافق تاماً على القضايا الجوهرية والأساسية في المشروع.

وفي المكان نفسه، وبالطريقة نفسها، اطلعت الأحزاب الكردية. وكان من الطبيعي أن يتركز النقاش والمقترحات على الفقرة التاسعة من الإعلان التي تعالج القضية الكردية، من أجل أن

تأخذ شكلها النهائي، “إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في سورية، بما يضمن المساواة التامة للمواطنين الأكراد السوريين مع بقية المواطنين، من حيث حقوق الجنسية والثقافة وتعلم اللغة القومية وبقية الحقوق الدستورية والسياسية والاجتماعية والقانونية، على قاعدة وحدة سورية أرضاً وشعباً، ولا بد من إعادة الجنسية وحقوق المواطنة للذين حرموا منها، وتسوية هذا الملف كلياً”، وتم الاتفاق على أن يكون هذا الموقف من القضية الكردية ثابتاً ونهائياً. وكانت الأحزاب الكردية التي حضرت اللقاء منضوية في تحالفين: التحالف الديمقراطي الكردي في سورية، ويضم أربعة أحزاب، التقدمي الديمقراطي الكردي (عبد الحميد درويش)، والوحدة الديمقراطي الكردي/ يكيتي (إسماعيل عمر)، اليسار الكردي (محمد موسى)، والبارتي (نصر إبراهيم). الجبهة الديمقراطية الكردية في سورية، وتضم أربعة أحزاب: البارتي الديمقراطي الكردي (نذير مصطفى)، والمساواة الكردي (عزيز داود)، والوطني الديمقراطي الكردي (طاهر صفوك)، واليسار الكردي (خير الدين مراد). ووافقت على الإعلان سبعة أحزاب من الثمانية المنضوية في التحالفين، وقد انفرد حزب اليسار الكردي (خير الدين مراد) في رفض المشروع والامتناع عن المشاركة فيه.

وافقت على الوثيقة تسع شخصيات وطنية، اطلعت عليها بالطريقة نفسها كما الأحزاب، حيث انتقلنا، نحمل النسخة اليتيمة من المشروع إلى أماكن سكناهم من الحسكة وحلب واللاذقية شمالاً إلى السويداء والقنيطرة جنوباً، باستثناء رياض سيف الذي كان رهين السجن، فقد تولى إعلامه بالمشروع، وأخذ موافقته، حسن عبد العظيم الذي كان يتمكن من زيارته باعتباره محاميا. والشخصيات الوطنية التسعة التي وافقت على الانخراط في المشروع: رياض سيف، جودت سعيد، عبد الرزاق عيد، سمير نشار، فداء أكرم الحوراني، كمال زكار، عبد الكريم الضحاك، هيثم المالح، نايف قيسية. وكانت شخصيات وطنية أخرى موضع الاهتمام للمشاركة، وتم إطلاعهم على المشروع، لكنهم رفضوا الموافقة عليه، كل لأسبابه، وهم: عبد المسيح قرياقوس من الحسكة (من قيادات حزب البعث/ القيادة القومية)، مصطفى رستم من السلمية (من قيادات البعث، 23 شباط)، عادل نعيسة من اللاذقية (من قيادات البعث، 23 شباط)، كامل حسين من اللاذقية (من قيادات البعث، 23 شباط).

وخلال الترتيبات والإجراءات والاتصالات في الداخل لدعم المشروع، تم التواصل مع جماعة الإخوان المسلمين في الخارج، ممثلة بشخص المراقب العام للجماعة، علي صدر الدين البيانوني، فاطلعت قيادة الجماعة على المشروع، وكان الرد بالإيجاب، مع بعض الملاحظات والمقترحات. وكان من الطبيعي أن يتركز اهتمام الجماعة على الفقرة الثالثة التي تتحدث عن الإسلام، وحازت على موافقتها “الإسلام الذي هو دين الأكثرية وعقيدتها، بمقاصده السامية وقيمه العليا وشريعته السمحاء، يعتبر المكون الثقافي الأبرز في حياة الأمة والشعب. تشكلت حضارتنا العربية في إطار أفكاره وقيمه وأخلاقه، وبالتفاعل مع الثقافات التاريخية الوطنية الأخرى في مجتمعنا، ومن خلال الاعتدال والتسامح والتفاعل المشترك، بعيداً عن التعصب والعنف والإقصاء. مع الحرص الشديد على احترام عقائد الآخرين، وثقافتهم وخصوصيتهم، أياً كانت انتماءاتهم الدينية والمذهبية والفكرية، والانفتاح على الثقافات الجديدة المعاصرة”.

ولأن الإعلان مشروع وطني جامع، ونجح في استقطاب الإسلاميين، جماعات وشخصيات وطنية، كان لا بد من الحديث عن الإسلام مكونا ثقافيا وواحدا من عوامل الوحدة والترابط في المجتمع السوري. وخلافاً لما تحدث به بعضهم أو يعتقده، فإن أحداً من القوى والأحزاب والمنظمات والشخصيات الوطنية التي اطلعت على الإعلان لم يعترض على هذه الفقرة، باستثناء رئيس المنظمة الآثورية الديمقراطية، بشير السعدي الذي اقترح إضافة فقرة عن المسيحية، لكن اقتراحه لم يجد القبول اللازم ليجري اعتماده، وتأخرت المنظمة في إعلان التزامها بالمشروع إلى ما بعد صدوره.

أرسل النص شبه النهائي، بالطريقة نفسها ومن المصدر نفسه، إلى برهان غليون وصبحي حديدي، من أجل الاستئناس برأيهما، والاستفادة من خبرتهما وملاحظاتهما، باعتبارهما عاملين في الحقل السياسي فكرياً وثقافياً، وهما موضع اعتبار وتقدير من مختلف أطراف المعارضة لجهودهما وانتاجهما. وفي الوقت نفسه، من أبرز المثقفين السوريين المعنيين بالتغيير الديمقراطي في البلاد، وعلى صلة بالداخل، ويشاركونه الهم والمسؤولية. وقد وصلت إلينا انطباعاتهما الإيجابية عن المشروع، مع ملاحظاتٍ نوقشت باحترام وحسب الأصول، غير أن أحداً لم يطلب من أحد في الخارج التوقيع على الإعلان، وبالتالي لم يعتذر أحد عن التوقيع عليه، فقد كان القرار أن يبقى المشروع مشروعاً داخلياً للقوى والشخصيات التي تعمل على أرض الوطن، لأنه بالفعل كذلك من ألفه إلى يائه. وهذا يعطيه قيمة إضافية، ومعنىً مقصودا بذاته، لتثمير ربيع دمشق الذي كانت ساحات المدن السورية، وبيوتاتها الفاضلة، الميدان الأرحب لتفتحه وإزهاره. لذلك لم يرد اسم جماعة الإخوان المسلمين في عداد المنظمات الموقعة على الإعلان عند نشره، على الرغم من موافقتها عليه. وكذلك لم يرد اسم أيٍّ من الشخصيات التي اطلعت عليه وأيدته من الخارج، وهما حصراً برهان غليون وصبحي حديدي.

إطلاق المشروع

بعد مداولات بين الأطراف التي أعلنت موافقتها والتزامها، تم الاتفاق على إطلاق “الإعلان” في دمشق في 16/10/2005 من مكتب التجمع الوطني الديمقراطي، خلف القصر العدلي. حيث تولى ثلاثة من قيادة “التجمع”، حسن عبد العظيم وسليمان الشمر وجورج صبرة، مهمة تقديم “إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي” للرأي العام عبر وسائل الإعلام، وحضور عدد من السياسيين والمثقفين والشخصيات الوطنية الموقعة عليه (سمير نشار، ميشيل كيلو، أكرم البني، وآخرون). وفي أثناء ذلك، وقبل أن تكتمل المهمة، دخلت قوات الأمن السورية لفض الاجتماع بالقوة، فأخرجت الحضور تحت التهديد، وحملت الذين يقدمون المشروع على التوقف ومغادرة القاعة، بينما كان التواصل مع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة مستمراً، لنشر نص الإعلان، وتعميم ما يجري من اقتحام للمكان، ومنع الوجود فيه. وبذلك اطلع العالم على الواقعة لحظة بلحظة، وتم نشر “الإعلان” وتوزيعه عبر المحطات التلفزيونية ووكالات الأنباء، بناء على ترتيب مسبق.

وفي مساء ذلك اليوم، ظهر على الشاشات كل من برهان غليون وزهير سالم، يؤكدان أهمية المشروع، ويعلنان تأييدهما ودعمهما له، ويقدمانه بالشكل المناسب للسوريين والجمهور العربي. وكان ذلك جهداً مميزاً وخطوة ثمينة باتجاه تعميم الإعلان ونشره، وتوضيح مراميه الوطنية والسياسية.

بصدوره ونجاحه في إيصال مشروع التغيير للسوريين، أنعش “الإعلان” الحياة السياسية للمعارضة من جديد، واستنهض الروح الوطنية الجامعة لمختلف مكونات الشعب السوري، إذ كان أوسع تحالف وطني شهدته البلاد في تاريخها، بينما كانت تمرّ، في تلك الأيام، بمرحلة شديدة الحساسية والخطورة، فيما يتعلق بأوضاعها وأوضاع المنطقة.

تحدثت وثيقة التأسيس، في مقدمتها، عن الأخطار التي “لم تشهدها سورية من قبل نتيجة

السياسات التي سلكها النظام”، والتي أوصلت البلاد إلى وضعٍ يدعو للقلق على “سلامتها الوطنية ومصير شعبها”. وحمَّلت المسؤولية لاحتكار السلطة الذي “أسس نظاماً تسلطياً شمولياً فئوياً”، أورث البلاد “هذا الحجم من الدمار المتمثل بتهتك النسيج الاجتماعي الوطني للشعب السوري، والانهيار الاقتصادي.. والأزمات المتفاقمة من كل نوع”. كما تحدثت عن “مهمة تغيير إنقاذية، تخرج البلاد من صيغة الدولة الأمنية إلى صيغة الدولة السياسية”. وأن التحولات المطلوبة “تطال مختلف جوانب الحياة، وتشمل الدولة والسلطة والمجتمع”. وطالبت أن يكون “التغيير على يد الشعب السوري ووفق إرادته ومصالحه”، معلنة اجتماع إرادة الموقعين بالتوافق على هذا المشروع السياسي.

وقد تألف المشروع المعلن في الوثيقة من 17 فقرة، تشكل الأسس المعتمدة للتغيير الديمقراطي المنشود، إضافة إلى سبعة بنود إجرائية، كمحددات لهذا التغيير. وأنهى رسالته بأن هذا المشروع “يبقى مفتوحاً لمشاركة الجميع.. وتقبل التزاماتهم وإسهاماتهم، ويظل عرضة لإعادة النظر”.

في تلك الفترة، كانت ظلال الاحتلال الأميركي للعراق ومؤثراتها الجيوسياسية على سورية تقلق النظام. ومن جهة أخرى، صارت تطارده العقابيل السلبية والتهديدات المضمرة بعد اغتيال رفيق الحريري في بيروت، في 14 فبراير/ شباط 2005، واضطراره للرحيل بقواته سريعاً عن لبنان، بعد أن تحرك اللبنانيون ميدانياً في مواجهته، فيما عرف بثورة الأرز. ونتيجة لأوضاعه الصعبة، كانت مواجهة النظام صدور “الإعلان” مزيجاً من المرونة والحزم، بغرض وضع حد لتأثير إنجاز توحيد المعارضة وتداعياته، من دون الاضطرار لسلوك نهجه المعروف باستخدام العنف العاري الذي أتقنه واعتاد عليه. لذلك اكتفى باستدعاء فاعلين بالمشروع، بغية التنبيه والتحذير من خطورة ما حصل في ظل الظروف الإقليمية، وللحيلولة دون ارتسام تحرّكات على الأرض، تزيد من متاعبه وأوضاعه القلقة، فاستدعى الفرع الداخلي لأمن الدولة، وبشكل منفرد، حسن عبد العظيم، فداء الحوراني، سليمان الشمر، جورج صبرة. قابلهم رئيس الفرع، اللواء فؤاد ناصيف، لينقل إليهم رسالتين: ضرورة قطع العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، فالأوضاع في البلد لا تتحمل استمرارها، خصوصا وأن القانون 49 لعام 1980، والذي ينص على إعدام كل من ينتمي لهذا التنظيم ما زال قائماً. وضرورة تخفيض مستوى العلاقات مع الأكراد ووتيرة وإيقاعه، لأنهم يريدون تقسيم سورية. وأحداث القامشلي في العام الماضي لا زالت في الذاكرة. كما أرسل الفرع نفسه، وجهات أمنية أخرى، ضباطاً إلى بيوت آخرين من أعضاء “الإعلان”، تنقل لهم روح الرسالتين.

ولمتابعة العمل، ريثما ينتخب “الإعلان” قيادة له، ويدخل مرحلة العمل التنظيمي، ويوزّع المهام بين المؤسسات والهيئات في خطة عمله، تم تشكيل “اللجنة المؤقتة” لإدارة شؤون “الإعلان”، تألفت من حسن عبد العظيم وفداء الحوراني وشيخ أمين عبدي وسليمان الشمر وجورج صبرة، وتولت إصدار المواقف والبيانات وترتيب اللقاءات مع ممثلي المحافظات، وإجراء الحوارات اللازمة مع القوى والشخصيات التي انتسبت إلى “الإعلان” بعد إطلاقه، فقد أكدت المنظمة الآثورية الديمقراطية وجودها في صفوف “الإعلان” والتزامها به. كما تقدم حزب العمل الشيوعي بطلب انضمام، وتحقق ذلك، إضافة إلى انضمام شخصيات وطنية عديدة من جميع المحافظات.

وشكل خروج رياض سيف من السجن في 18/1/ 2006 حدثاً مفصلياً في نشاط

“الإعلان”، إذ تحول بيته في مشروع قدسيا إلى ما يشبه المقر المفتوح للعمل. يقصده الأعضاء والأصدقاء والنشطاء للاجتماعات واللقاءات، كما يقصده الشباب للتعرّف إلى هذا التحالف من مختلف أنحاء البلاد. وكان، في الوقت نفسه، مقصداً للسفراء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والمعنيين بقضايا الحرية وحقوق الإنسان، للتعرف على أوضاع المعارضة واستكشاف آفاقها. وتوطدت، في هذه الفترة، العلاقة بين الأطراف المتحالفة، وكانت فرصة غير مسبوقة للتعارف والحوار والعمل معاً بين السياسيين والمثقفين السوريين من مختلف الاتجاهات والانتماءات، أغنت حياة المعارضة، وبعثت حيوية جديدة، في وقتٍ بدأت تشعر فيه بفعاليتها في المشاركة بتقرير شؤون بلدها ومصير شعبها بروح بناءة، حتى لو كانت هذه البداية من داخل الغرف المغلقة.

وجاء انعقاد “المجلس الوطني لإعلان دمشق” يوم الأول من ديسمبر/ كانون الأول 2007، ليتوج نشاطات تلك المرحلة، ويدفع “الإعلان” والمكونات العاملة في فضائه نحو العمل الجماعي التنظيمي عبر الهيئات والمؤسسات. ضم المجلس مندوبين لجميع مكونات الإعلان، وممثلين للجان من جميع المحافظات، وانتخب هيئاته القيادية المتمثلة في “الأمانة العامة لإعلان دمشق” برئاسة رياض سيف، و”المجلس الوطني لإعلان دمشق” برئاسة فداء الحوراني.

ذعر النظام من نجاح المعارضة على تنظيم اجتماع سري، يحضره 170 عضواً في المجلس الوطني، قدموا من مختلف المحافظات إلى قلب العاصمة دمشق، في غفلةٍ عن أعين الأجهزة الأمنية المتعدّدة، وأنهوا مهامهم المجدولة، واختتموا اجتماعهم بسلاسة ويسر، من دون أن يتمكّن من الاختراق أو استراق السمع. وعندما علم بالاجتماع وحيثياته وأهدافه، سارع إلى تنفيذ حملة اعتقالاتٍ، طالت 14 عضوا من أعضاء المجلس الوطني المنعقد، بينهم رئيس الأمانة العامة ورئيسة المجلس الوطني. تعرض المعتقلون للمحاكمة، وأمضوا عامين ونصف العام في السجن. وبعد خروجه من السجن، تقدم رياض سيف باستقالته من رئاسة الأمانة العامة، وتم انتخاب سمير نشار بديلاً له في رئاسة الأمانة العامة لإعلان دمشق.

أسس “الإعلان” لجاناً في جميع المحافظات السورية، بما فيها الجولان المحتل، ولجاناً أخرى في دول عديدة. وعقد المؤتمر الأول لمنظمات المهجر في بروكسل في 6 – 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2010، الذي انتخب أنس العبدة رئيساً للأمانة العامة في المهجر، وعبد الرزاق عيد رئيساً للمجلس الوطني. وفي 7/1/2014، عقدت منظمات المهجر لإعلان دمشق مؤتمرها الثاني في اسطنبول، الذي انتخب صخر عشاوي رئيساً للأمانة العامة، ومحمود الحمزة رئيساً للمجلس الوطني. .. ومع اندلاع الثورة السورية عند منتصف مارس/ آذار 2011، دخل إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي مرحلة جديدة، لها شؤونها وشجونها، وتستحق بحثاً آخر.

العربي الجديد:6/4/2019

مشاركة