:إدلب وشجرة الميلاد حسام الحميد

29

في مشهد لا يخلو من الدهشة، ترى أشجار الميلاد المتلألئة بالأنوار تُنتصب في وسط دمشق ومدن سورية أخرى في احتفالات يوم الميلاد المجيد، في جو بهيج يفيض بالسعادة والفرح، وكأنك تعيش في بلد آخر غير سورية. ومن هذه الساحات، لم يتوقف إعلام النظام، وكذا صفحات التواصل الاجتماعي الموالية له، عن بث صور الاحتفالات في هذه المدن، في صورةٍ تكاد تكون أقرب إلى الدعاية الإعلامية منها إلى احتفالية قدسية، وفي محاولة منه لإظهار سورية الطبيعية لوسائل الإعلام العالمية، وكأن شيئا لم يحدث هنا.

قد يبدو هذا المشهد عاديا جداً في الظروف الطبيعية في سورية قبل الثورة، بل كان أكثر من ذلك. هو مناسبةٌ يحتفل فيها مسلمون كثيرون مع إخوانهم المسيحيين في شوارع دمشق وحلب وحمص والساحل السوري، وخصوصاً أن يوم الميلاد عطلة رسمية في سورية، وتحوّل، مع مرور الأيام، بالنسبة لهؤلاء، إلى يوم للفرح والسهر والطرب، ويتسابق الفنانون فيه على حجز أكبر الصالات لتقديم عروضهم في هذه المناسبة السعيدة.

يبدو المشهد طبيعيا لمن يعرف سورية. ولكن أن يصل الأمر إلى نصب شجرة عيد الميلاد بطول خمسة عشر متراً في منطقةٍ لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن إدلب، فهذا لا يُصدّق، بل هو ضربٌ من الجنون، فعلى بعد أمتار قليلة من خط الجبهة مع إدلب، يتوافد مئات من أبناء المنطقة برفقة عناصر من جيش النظام، للاحتفال بإضاءة هذه الشجرة، وهم يقفون على مشارف مدن وقرى يطاولها القصف اليومي، وتسقط من سمائها آلاف الصواريخ والبراميل المتفجرة والقذائف المدفعية على رؤوس ساكنيها، فهذا لا يمكن لعاقل أن يصدّقه، لا يمكن أن تصدّق أن هذا يحدث في بلد واحد هو سورية، كانت على مر العصور مضرب المثل في  

“على بعد أمتار قليلة من خط الجبهة مع إدلب، يتوافد أبناء المنطقة برفقة عناصر من جيش النظام، للاحتفال بإضاءة شجرة الميلاد”

التسامح والعيش المشترك.
لا هذه ليست سورية التي نعرفها، فمنذ اندلاع الثورة، استطاع هذا النظام ببراميله المتفجرة التي يسقطها على رؤوس أبناء هذا الشعب أن يفجر معها براكين الحقد في قلوب كل السوريين، على اختلاف مشاربهم وعقائدهم، فبراكين الحقد تتجلّى في أشد صورها هنا مع هؤلاء السوريين المتحلقين حول شجرة الميلاد، يحتفلوب بالعيد، وقلوبهم يملأها الفرح على مصير السوريين في الطرف الآخر، أهالي قرى سراقب وجرجناز، ذوي القلوب المفجوعة من هوْل مشاهد القصف والدمار.
وهنا أهالي القرى المجاورة لإدلب يعرفون تماماً أن الموت والدمار يخيم في الجانب الآخر،

وأن جثث الأطفال المحترقة في شوارع معرّة النعمان لن تُطفئ أضواء شجرة الميلاد، ولن تمنعهم أِشلاء الجثث الممزّقة في شوارع القرى المجاورة من الفرح بهذه الشجرة المجيدة، فقد أوصلهم النظام المجرم إلى قناعةٍ بأن من يسكنون في الطرف الآخر هم الإرهابيون الذين ينتظرون اللحظة للانتقام منهم. وليس هذا الحقد الذي صنعه النظام في قلوبهم جديدا، فهو منذ اليوم الأول له عمل على إشعال نار الفتنة في صدور السوريين من مدينة إلى أخرى، حتى صار اليوم أنهاراً من الشر، تجري في بلد واحد تتجلّى بمشاهد مختلفة من مدينة إلى أخرى، ومن شارعٍ إلى آخر.
المشهد يختلف هنا، أضواء شجرة الميلاد تصنع مشهد الفرح والانتصار، وهناك في إدلب يصنع الدخان المتصاعد من جثث القتلى مشهد الموت الأخير. هنا يتراقص الجميع فرحاً وسرورا، وهناك في إدلب يتراقص الموت فوق رؤوس الهاربين من القذائف. هنا طوابير السيارات المتجهة إلى الاحتفال تشبه هناك طوابير السيارات المتجهة نحو الحدود التركية هرباً من الموت. هنا تحلّق الطائرات لتحمي المحتفلين تحت الشجرة، وهناك في إدلب تحلّق الطائرات لقصف القرى والمساكن… هذه لسيت سورية التي نعرفها.
في مشهد سوريالي على إحدى صفحات “فيسبوك” الموالية للنظام، كتبت سيدة نداء إلى الذاهبين لتزيين شجرة الميلاد في ساحات دمشق: “لا تنسوا وأنتم تزينون شجرة الميلاد أن هناك في إدلب جنود الجيش العربي السوري يزينون إدلب بأعلام الوطن، صلّوا لهم”. وفي مشهد أكثر سورياليةً، يقف أحد المقاتلين من جيش النظام تحت شجرة عيد الميلاد، على بعد كيلومتر واحد من خط الجبهة مع إدلب، ليقول للعالم إنه، ومن معه من المقاتلين،نصبوا هذه الشجرة هنا، لتكون رسالة إلى العالم، نقول فيها إننا أحياء ولن نغادر هذه الأرض، نريد أن نعيش بمحبّة وسلام (يتوقف لحظات بسبب صوت قصف الطيران على الجانب الآخر)، ليكمل حديثه قائلاً: نريد الاحتفال بهذه الشجرة، لنقول للعالم إن سورية ليست بلدا ميتا. استطاعت سورية الخلاص من الإرهابيين، وهذه الشجرة هدية لكل مواطني سورية، بغض النظر عن انتمائهم الديني والعقائدي… ابتسم للكاميرا، ولا يزال صوت قصف الطيران يدوّي في الجانب الآخر.

حسام الحميد

كاتب سوري

مشاركة