أكرم البني: ولكن … عن أي تسوية سياسية يتحدثون؟!

36

أربعة مستجدات تواترت في الفترة القصيرة المنصرمة ووضعت الإعلانات المبكرة لغير مسؤول روسي عن اقتراب الحل السياسي في سورية وقبلها تفاؤل ديمستورا في موضع شك وارتياب، وأكدت مجدداً حقيقة أن فرص تقدم تسوية جدية ومستقرة للصراع السوري لا تزال ضعيفة وتكتنفها تعقيدات كثيرة.
أولاً، وصول مفاوضات الآستانة في جولتها الأخيرة إلى أفق مسدود، وعجزها عن التقدم خطوة إضافية لتوسيع مناطق خفض التصعيد ومعالجة مشكلة المعتقلين والمغيبين قسرياً، بما هو وصول تفرد موسكو في تقرير المستقبل السوري إلى حده الأقصى، وتراجع قدرتها السياسية لاستثمار ما حققته من تقدم عسكري وأمني لمصلحة بناء التوافقات وحشد الصفوف حول خطة تسوية تطيح مفاوضات جنيف، بدليل دعوة الرئيس بوتين إلى مؤتمر عاجل في سوتشي لما اعتبره شعوب سورية، وتبدل اسمه لمؤتمر حوار وطني، لكنه لم يلق الاستجابة المطلوبة وتم تأجيل الموعد المقترح.
صحيح أن قيادة الكرملين نجحت، بفضل جهدها العسكري، في إنقاذ النظام وحلفائه الإيرانيين من هزيمة كانت وشيكة، وصحيح أنها الطرف الذي أمسك لوقت من الزمن بكل خيوط اللعبة في البلاد وتمكنت من اختراق الاستعصاء المزمن وإخماد حدة الصراع القائم، لكنها لن تبقى الطرف الوحيد المقرر مع حضور قوى دولية وإقليمية لها مصالح وأهداف في سورية تتعارض مع مصالح موسكو وأهدافها، وتالياً لن تتقدم أي تسوية للصراع الدائر ما دامت قيادة الكرملين تصر على الظهور بمظهر من يمتلك وحده مفاتيح الحل في المنطقة، وتأنف إشراك الآخرين وتقدير مصالحهم، وغالباً ما تتقصد ابتزازهم بامتلاكها الورقة السورية لتمرير تنازلات وصفقات في بؤر التوتر الأخرى.
ثانياً، اتساع الخلاف بين الولايات المتحدة وروسيا حول المستقبل السوري مع وصول العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش إلى نهايتها، وأحد وجوهه تصعيد موسكو اللافت ضد ما حققه حلفاء واشنطن من تقدم شمال البلاد وشرقها، إن بمطالبتها إنهاء دور التحالف الغربي ضد داعش بعد دحر الأخير، وإن بتشجيع قوات النظام السوري المدعومة إيرانياً على التقدم لاسترداد مدينة الرقة ومناطق قوات سورية الديموقراطية في شرق الفرات، ويزيد الخلاف وضوحاً استمرار تمسك الولايات المتحدة ببيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2254 في مواجهة محاولات الالتفاف الروسي عليهما، ثم تشديد ربط مساهمتها في إعادة الإعمار بإزاحة النخبة الحاكمة وتحقق انتقال سياسي يحقق تطلعات الشعب السوري، والأهم ما يصح اعتباره إجراءات ميدانية لتعزيز وزنها ودورها في سورية كجزء من سياستها الجديدة لإضعاف نفوذ طهران ومحاصرتها، إن بتمكين قوات سورية الديموقراطية من السيطرة على مساحات شاسعة من شرق البلاد فيها النفط والغاز والمياه لتحجيم التواصل الإيراني بين سورية والعراق، وإن باتخاذ حزمة عقوبات جديدة على الحرس الثوري وحزب الله.
والحال، مثلما لم تجد الإعلانات العديدة عن تفاهم واشنطن وموسكو في وقف المأساة السورية، وبقيت هشة وعاجزة عن بلورة إرادة حازمة تضع الصراع على سكة الحل السياسي، لن يجد البيان الأخير للرئيسين ترامب وبوتين حول سورية، والذي لم يأتِ بجديد غير إعلان النيات القديم.
ثالثاً، تزيد الطين بلة التداعيات التي خلفها تهتك الاستقلال الكردي في شمال العراق وتمكّن المحور الإيراني من التوغل أكثر في السيطرة على مواقع إستراتيجية عراقية كانت حتى الأمس القريب عصية عليه، ما ساعد، ربطاً بتقدم قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية في دير الزور والبوكمال، على إكمال مشروع طهران الأمني بخلق خط اتصال جغرافي في الأراضي الممتدة من حدودها إلى لبنان عبر سورية والعراق، الأمر الذي يفاقم خطرها في المنطقة ويعزز تشددها في رفض التوافقات وبناء التسويات، ويفسر ذهابها بعيداً في خيار الحسم العسكري مع حليفها السوري عبر تشديد الحصار والقصف على مناطق خاضعة للمعارضة، على رغم دخولها في اتفاقات خفض التوتر، ما عزّز تشدد النظام في تقديم تنازلات والخضوع لشروط التسوية السياسية.
فأنّى لنظام رفض وهو في شدة أزمته تقديم التنازلات، مهما بدت صغيرة، أن يتنازل اليوم وقد أغرته الانتصارات العسكرية المدعومة إيرانياً وروسياً، وطمأنته مرونة غربية بدأ يلمسها حول محتوى المرحلة الانتقالية ومشروعية استمراره في السلطة؟!
رابعاً، التصعيد السعودي الأخير ضد إيران واعتبار إطلاق حلفائها اليمينيين صاروخاً باليستياً نحو العاصمة الرياض بمثابة إعلان حرب، وما قد يترتب على ذلك من إعادة بناء المواقف والاصطفافات، دولياً وإقليمياً، لإعاقة نفوذ طهران ومحاصرتها في المشرق والخليج العربيين، مدعومة بميل أميركي لتحقيق الغرض ذاته، ومن هذه القناة يمكن النظر لاستقالة رئيس الحكومة اللبنانية كمقدمة لحفز القوى المناهضة لاستئثار حزب الله على القرار اللبناني، وتوقع مزيد من دعم المعارضة السورية ودورها السياسي والعسكري، يرجح أن يمرر عبر مؤتمرها المزمع عقده في الرياض، ما يعزز قدرتها في الامتناع عن المشاركة بتسوية لا تشترط إزاحة النظام ومحاسبة المرتكبين، وفي رفض أي حل أو مبادرة سياسية لا تتفق مع مطلب الشعب السوري بإحداث تغيير سياسي جدي.
واستدراكاً، لا مكان للحديث اليوم عن تسوية سياسية في سورية، ما دامت الأطراف المعنية باحتدام الصراع لم تصل فيما بينها إلى تسوية، وما دامت ثمة صعوبة في التوفيق بين مصالح متعارضة تمثلها قوى عربية ودولية وجماعات من النظام والمعارضة، زادها تعارضاً ما كرسه طول أمد الصراع والعنف المنفلت من نتائج مؤلمة اجتماعياً واقتصادياً، ما يرجح استمرار المحنة السورية لسنوات وبقاء الصراع الدامي مفتوحاً في موجات مد وجزر، متخذاً أشكالاً مختلفة ومتنوعة، وتالياً بقاء البلاد رهينة لما يقرره التوغل المريع للأطراف الخارجية وما ترسمه خلافاتها وتوافقاتها، في مناخ عالمي فقد إنسانيته ويلوذ بصمت وحسابات مريبة تجاه أهوال الفتك والتنكيل والتدمير.

مشاركة