أكراد الشمال السوري : تواطؤ الظلم العنصري مع الانتهازية السياسية

9

في تنفيذ غير منصف لإحصاء أقرت إجراءه الحكومة السورية عام ألف وتسعمائة واثنين وستين حرم عدد كبير من أكراد الجزيرة في سوريا من الهوية السورية وأصبحوا مسلوبين من أبسط الحقوق.

كان محافظ الحسكة آنذاك سعيد السيد القومي الشوفيني الذي لم ينكر في مذكراته دوافعه المتمثلة في ” الحفاظ على سلامة سوريا العربية” وخشيته من تسلل أكراد تركيا عبر الحدود إلى سوريا واستيطانهم فيها وتكرار ما فعله اليهود في فلسطين.

وقد شجّع سعيد السيد على المضيّ قدماً في حرمان الأكراد من سوريتهم أكراد من أصحاب الحيازات لحق بهم ضرر كبير جرّاء قوانين التأميم إبّان عهد الوحدة مع مصر، وكان من مصلحتهم حرمان الفلاحين الكرد الذين منحهم التأميم حقوقاً في هذه الحيازات من جنسيتهم لكي يطردوا من الأراضي التي صادرها التأميم من الإقطاعيين الأكراد.

أحدثت هذه الفعلة جرحاً عميقاً في الهوية السورية لم يندمل، وظلّت مضاعفاته تفعل فعلها عقوداً طويلة وكان نظام الأسد قد استمرأ دوام هذه الحالة المأساوية لأكراد لم يعرفوا هم وأجدادهم وطناً غير سوريا إلى أن اندلعت الثور السورية ضد نظام الأسد فقام بأسلوب انتهازي رخيص بمحاولة شراء ولاء الأكراد المحرومين من الجنسية عن طريق منحهم إياها وهو ما مثّل مكسباً كبيراً بالمقارنة مع الحال السابقة رغم أنه من أبسط حقوقهم في الحالة الطبيعية.

ما عاناه السوريون عموماً من ظلم على يد عصبة أقلية مستبدة عانى الاكراد ضعفه، فقد أضيف إلى الظلم الذي تجرّعوا مرارته كجماعة تقاسمهم مع باقي السوريين سلب الحريات السياسية والحرمان من المساواة الاجتماعية والاقتصادية.

هذه العصبة الأقلوية الحاكمة التي ادّعت بناء دولة أمة على أساس الاستناد إلى القومية الأكبر في المجتمع السوري،  والتي استوردت نموذج الدولة-الأمة وشوّهته في التطبيق، وانحرفت كذلك عن الموروث المشترك لمكونات المجتمع السوري الذي هو الإسلام دفعت عموم السوريين الذين ثاروا ضدّها الى استلهام هذا الموروث المشترك بحثاً عن هوية جامعة لها جذور راسخة في الوجدان الجمعيّ، ولكنّ هذه الهوية الجامعة لم تكن لترضي من عانوا الظلم المضاعف لأن الاندماج مع الأكثرية في سردية الكرد تجربة ذات شجون ولا يزيل علقمه تبديل الإطار الشمولي من عروبي الى إسلامي.

يراود كثير من الكرد اليوم حلم الانفصال وتأسيس الدولة المستقلة، ويتحالف فصيلهم الأقوى مع النظام الذي كرّس ظلم الاكراد أربعة عقود، ويتحالف أيضاً مع المحتلّ الروسيّ الذي يعدّه هذا الفصيل الحليف المخلص، ومع الحليف الأمريكي الذي يعدّه حليفا متقلباً حسب توصيفات لمتحدثين باسم حزب الاتحاد الديمقراطي.

يغيب عن الكرد أن للانفصال المنشود شروطاً لا يمكن له أن يستمرّ بدونها أهمها أن تترّسخ في العقل الجمعي فكرة عدم قدسية الدولة وحدودها لكي يصبح الانفصال أمراً طبيعياً؛ لأن هذه اللاقدسية هي الكفيلة بالقبول بالانفصال كأمر متاح لكل أقلية، وهو ما يعني بالضرورة تشظّي هذه الدولة، والجور على مصالح جماعات أخرى في الإقليم نفسه الذي يطالب بالانفصال وهو ما سيبقي الإحساس بالظلم قائماً ويتحيّن الفرصة للتعبير عن نفسه.

والشرط الآخر الذي لا يقلّ أهمية ضرورة وجود أرضية اقتصادية تحقق الوفرة لمواطني الدولة؛ لأنّ عدم وجودها سيلزم عنه تسخير موارد الدولة النادرة أصلاً لتحقيق مشاريع لا قبل للدولة يتحمل أعبائها وهو ما سوف يكرّس اللامساواة بين مواطني هذه الدولة.

إن ما يكرسه نظام الاستبداد وحليفه الروسي من تسييس التنوع القومي وأبرز نماذجه وهو الحالة الكردية إنما يعمل على اختزال الأنا السورية الثقافية الكبيرة التي يشكّل العرب والكرد مكوّنين أساسيين في بنيتها بحكم الاشتراك في المكان والتاريخ والهوية الدينية بغية تفكيك النسيج الاجتماعي السوري، وزيادة الاستقطاب بين أكثرية مناهضة للاستبداد وحلفائه واقلية موالية لهما.

لا شك ان للكرد حقوقاً هضمت بفعلة مخجلة في أوائل الستينيات، واستمر النظام السوري في سلبها ولكنها لا يمكن أن تستردّ بأوهام انفصالية يدغدغها اليوم أيديولوجيون كرد هم أشبه ما يكونون في ظلمهم للكرد بالإقطاعيين من أبناء قوميتهم الذين حرّضوا القومي الشوفيني سعيد السيد على فعلته، ويشجّعها النظام الذي لم يفطن إلى جزء من حقوقهم إلا عندما داهمه الخطر، والنظام الشموليّ الروسيّ الذي يستخدمهم كورقة لتحقيق مآرب امبراطورية، وحليف أمريكي لا يرى فيهم إلا وقوداً في حربه على داعش هاجسه الأول وربما الوحيد في كلّ المشهد السوري.

رئيس التحرير

مشاركة