أسطوانة الإخوان المشروخة والردود البائسة

244

عندما أطلق نيتشه صرخته: ” مات الإله” كان يقصد موت تصور معين سائد للإله في العالم المسيحيّ، وعندما أطلق فوكو صرخته: ” لقد مات الإنسان” كان يتحدث عن جريمة اقترفتها آليات المجتمعغ الاستهلاكي وقيمه.

الإله في عالمنا لا زال حيًا في الوجدان والعقل الجمعيين، والإنسان قتله الاستبداد والظلم والفاقة.

ولأجل هذا الفرق وغيره من الفروق تصبح المطالبة بحرية الفرد المستنسخة من أدبيات اليبرالية الغربية مطالبة فاقدة لشرط فهم السيرورة التاريخية التي بلورت هذه الحرية في الغرب، فهي سيرورة أزاحت تصورًا سائدًا للإله، ولكنها إذ أزاحت هذا التصور أسرت الفرد في سجن جديد هو سجن السوق وآلياته التي لا ترحم، وإن كان من غير الممكن إنكار أنها قد حققت له مكتسبات لا زال الاشتغال على تطويرها بغية تحرير الفرد تحريرًا ناجزًا قائمة على قدم وساق.

كلما قدم الإسلاميون رؤية جديدة هاج هائج الليبراليين مطالبين بتشذيب الرؤية، وجعلها أكثر انسجامًا مع تصورهم المستنسخ من الليبرالية الغربية.

والسجال بين الطرفين لم يؤت أكلًا لأسباب عدة:

الإسلاميون وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون يثوي خلف خطابهم استعلاء إيماني على الآخر؛ لأنهم يعتقدون أنهم يشتقون هذا الخطاب من المفارق المطلق.

وهم غافلون عن حقيقة أن ما يصفون به هذا المطلق من صفة الخيرية المطلقة، والتي يدعون أنهم توصلوا إلى اتصافه بها بالعقل تدحض مطالبتهم بمرجعية إسلامية للدولة، لأن الميزان الذي يزينون به الخير من الشر، والذي أوصلهم إلى معرفة خيرية المطلق موجود -حسب ادعائهم في العقل-؛ الأمر الذي يعني قدرة العقل على صياغة منظومة قيمية من ذاته، لا من مرجعية متجاوزة.

والليبراليون الغافلون عن حقيقة استلابهم للقيم المستوردة يحرّكهم استعلاء حداثويّ؛ لأنهم يعتقدون أنهم ممثلو الخطاب الحداثي، والآخر الغيبيّ متخلف عاجز عن فهمها وتمثّلها.

إن الحرية السياسية والاقتصادية التي يطالب بها الليبراليون مستوردةً من مصدرها الغربيّ لا يمكن لها أن تكون مفضية إلى حرية الفرد ما لم تُشفع الأولى بحقوق اجتماعية تعدّلها، وتمنع إجهازها على الإنسان الذي تحدث عنه فوكو.

وما لم تُشفع الثانية بحقوق ثقافية تعدّلها، وتمنع تحوّلها إلى أداة بيد مالكي السلطة والمال.

الطرفان عاجزان عن الوصول إلى منتصف الطريق بسبب عقدة استعلاء مستحكمة، وبسبب قصور في فهم كلّ منهم لما تستلزمه منظومته.

والإله الذي لا زال حيًا في السياق الذي يراد له أن يكون مستعدًا لتبيئة الحريات مركز يحول دون تحققها بالصورة التي تحققت فيها في السياق الأصليّ.

وهو ما يغفل عنه مدعو الحداثة، ولكنّ هذا المركز يمكن أن يكون عامًلًا مساعدًا على تجسيدها؛ فهو مطلق تتوقف عنده دورة الانعتاق والأسر، وبيان ذلك أن الفرد ما إن يتحرر من عبودية حتى يقع في أخرى، ولكنه يمكن أن يوقف دورة التحرر والانعتاق إذا ارتبط بالمطلق الذي يتصوره تصورًا جديدًا مغايرًا للتصور القروسطيّ، ومحققًا لعبودية له تحرره من استبداد الحاكم، واستبداد العالِم.

إن السجال الأيديولوجي الذي صار أسطوانة مشروخة بين الطرفين هو في الحقيقة سجال بين أسيرين، أسير لتصور للإله يستعبده، وأسير لحداثة مستوردة يصرّ على جعلها تسترقّه وتحيله نسخة زائفة منها.

واستعلاء الطرفين ليس إلا تعويضًا عن شعور عميق بالعبودية.

يمكن لنا أن نحرر ذواتنا من دون أن نقتل الإله، ويمكن لنا أن نقيم نظامًا ديمقراطيًا من دون المرور بمراحل تاريخية مرّ بها الإنسان الغربيّ، وأول خطوة في هذا الطريق هو القضاء على استبداد السياسيّ، واستبداد مدّعي تمثيل المطلق الدينيّ، واستبداد مدّعي تمثيل القيم الكونية.

رئيس التحرير

 

مشاركة