أخطأنا الرمي يا رفاق

337

 

لما كان جنس الشيء يشمل أنواعًا له، فإن تكلف فصل النوع عن جنسه لا تعدو أن تكون عملية تناحر طبيعة الأشياء، لأنه لا سبيل إلى إنكار اشتراك الجنس مع نوعه في الماهية، وفي خصائص لازمة عنها.

والأمر نفسه ينسحب على العلاقة بين البنية والفعل التي يحاول البعض أن يفكّوا عراها بإنكار ضرورة نتوج الفعل الواحد عن البنى المتماثلة.

وما حاجتنا إلى تأكيد المؤكد إلا استجابة مفروضة لمواجهة محاولات التفريق غير العلمية بين تيارات الإسلام الجهادي مثلًا التي ينظمها جنس واحد، وتجمع بين أفعالها خاصية الصدور عن بنية واحدة.

فلا يمكن لنا أن نتلطى خلف مقولات الواقعية السياسية لتسويغ التفريق بين جبهة النصرة وداعش لأنهما نوعان لجنس واحد، وتمظهران لبنية واحدة.

وإذا كان التذكير بالبدهيات السالفة لا يكفي، فإن الأحداث الواقعية كفيلة بتزويدنا بحجج نحسبها قاطعة.

فقد كان ظهور أعلام النصرة السوداء في المنطقة الشرقية من سورية مثلًا مترافقًا مع إطلاق سراح متطرفين محكوم عليهم بالسجن المؤبد من سجون النظام، ومع ظهور أصحاب الأسماء الحركية من جنسيات غير سورية بشكل مفاجئ، وبدون معرفة أي طريق سلكوا للوصول.

وفي حادثة ذات دلالة بالغة الأهمية اعتقل فريق من الجبهة مهندسين وفنيين يعملون في حقل العمر النفطي من الطائفة العلوية، وجرت مفاوضات قادها أفراد من المنتمين إلى التيار الإسلامي مع أمراء في الجبهة لإطلاق سراحهم؛ لأنهم مدنيون لا ناقة لهم ولاجمل في الصراع. وكانت المفاوضات إيجابية نظريًا، ولكن ممثل الفريق المفاوض الذي ذهب لاستلامهم من إحدى معاقل الجبهة وجدهم مذبوحين وكانت الحجة جاهزة: اكتشفنا أنهم كانوا يقدمون مساعدات لقوات النظام.

ترادف المقولات بين النصرة وداعش لا يحتاج مؤونة لإدراكه، فالطرفان يعدان الحقيقة المطلقة ملكًا حصريًا لهما، وهما إذ يحاربان النظام لا يحاربانه سعيًا لتحقيق أهداف الثورة السورية. وكلاهما يجد في العنف ضد المخالف في المعتقد سبيلًا مقدسًا لا مناص من انتهاجه.

واستفادة النظام من تصدرهما المشهد ينبئ عنها بكل وضوح تسهيله لذلك عبر فك أسر أعداد كبيرة من أصحاب هذا الفكر، وتركهم يعيثون في الأرض فسادًا.

وإن تأسيس النصرة لظهور داعش -على الرغم من خلافات ثانوية- أمر لا يحتاج دليلًا لإثباته.

 الخط المباشر المستقيم الذي يرسمه المتطرفون الإسلاميون -على اختلاف مسمياتهم- بينهم وبين النص يعمل على محو كل الأبعاد الأخرى والتلوينات التي تعجّ بها الحياة والعلاقات الممكنة بينهم وبين النص، أو بينهم وبين المحيط. ما يجهله هؤلاء أن فهم النص لا يمكن إلا بتوسّط وضع اجتماعي مشخّص، ولهذا فهو مشروط بظروف هذا الوضع الاجتماعي ومتغيراته.

اختزال الحياة إلى علاقة مع النص يجسّدها خطّ مستقيم غير منحنٍ قد يكون سبباً لاستهانتهم بحيواتهم وحيوات الآخرين، فهم لا يضعون كبير وزن إلا للخط المستقيم المنطلق من النصّ كمحطة انطلاق إلى تأويلهم له كمحطة وصول.

والاشتراك في الماهية وفي الفعل الصادر عن البنى المتماثلة موجود لدى أطياف اللادينيين، فلا فرق محسوسًا بين لا ديني يرفض الحوار مع أصحاب الفكر الديني، وبين آخر يتخذ من الحوار وسيلة سياسية تفرض استخدامها ظروف قاهرة؛ لأن الفريقين ينتميان إلى منظومة حسمت أمرها تجاه أي فكر غيبي بحسبانها له فكرًا متخلفًا خارجًا عن سَنن العلم، مجافيًا لمسيرة التقدم والنهوض.

والحقيقة أن تطويع الدين للسياسة أو تجيير السياسة للدين ينبئ عن فهم قاصر لها، فلا شك أن الاستغراق في جدالات نظرية لن يؤتي أكلًا وأن العزوف عن محاولات الدحض التي يمارسها كل فريق لحجج الآخر ضروري لأنه جهد لا طائل منه، ولكن السياسة المطلوب ممارستها هي السياسة التي تثمر تحقيقًا لنفع عام مشترك.

بمعنى اعتماد الحوار بين أفراد للوصول إلى ما ينفعهم، وذلك بالانطلاق –ابتداء- من مقدّمات يتَّفقون عليها بغضّ النَّظر عن كونها يقينيَّة أو ظنيَّة في ذاتها من منظور مجرَّد، وإنَّما من منطلق مدى نفعها، والالتزام من ثم بالعمل بها بصدق لما يجدون فيها من نفع لمعاشهم وازدهار مجتمعاتهم.

رئيس التحرير

مشاركة